ردا على بسمة النسور.. وعن أخت "الرجال" والمفاهيم المغلوطة! | غصون رحال

ردا على بسمة النسور.. وعن أخت "الرجال" والمفاهيم المغلوطة!

غصون رحال

  في مقال بعنوان "عن  أخت الرجال"، المنشور بتاريخ اليوم 14 أيلول /2020 في صحيفة العربي الجديد، نبشت الوزيرة السابقة بسمة النسور القبور، وكالت، دون مبرّر موضوعي، الاتهامات لنائبة سابقة في البرلمان الأردني، تعرّضت  لكم هائل من التشويه والتخوين واغتيال الشخصية، حتى وصل الأمر بها حد المحاكمة والسجن؛ فقط لأنها أشارت إلى كبار الفاسدين بالبنان، دون خوف من أحد.

 خلطت الكاتبة في مقالها الحابل بالنابل، حتى ما عاد القارئ يدرك المغزى الحقيقي والهدف الفعلي من مثل هكذا مقال زاخر بالتناقضات والمغالطات والتحامل المجاني على النائبة والمنظمات النسوية بصورة تبين أن الكاتبة لا تعرف عن طبيعة عمل تلك المنظمات الشيء الكثير.

في معرض الرد على هذا المقال أود توضيح المغالطات والمواربات الآتية:

أولا: بالرغم  من عدم ذكر اسم النائبة السابقة في البرلمان الأردني  في المقال،  إلا أن ما ورد عنها كفيل بمعرفة هويتها؛ إذ ليس خافيا على أي مواطن أردني أن الحادثة والوقائع الواردة في المقال تشير إلى النائبة توجان فيصل، التي وصلت إلى قبة البرلمان الأردني في انتخابات العام 1993 - وليس الثمانينات- حيث كانت قد ترشحت في انتخابات العام 1989 ولكنها خسرت المعركة  لصالح منافسها عن المقعد الشركسي، آنذاك، السيد داوود قوجك.  إن عبارة النائبة (أنا الرجل الوحيد في المجلس) التي استحضرتها  الكاتبة بعد عقود طويلة، واصفة إياها "بالمنطق الذكوري الذي يحمل في طياته نظرة دونية للأنوثة باعتبارها نقيض الشجاعة والجرأة والمروءة والكرامة والوعي السياسي الحر"، فيه تجاهل وعدم إدراك بأن  مفهوم الرجولة ليس وصفا جنسويا خاصا "بالذكورة"، فليس كل الذكور رجال؛ فكثير منهم لا يتمتعون بصفات الرجولة المتمثلة بالشجاعة والجرأة والمروءة والكرامة والوعي السياسي الحر. كما أن الكاتبة تناست، وهي قاصة، وكاتبة ووزيرة سابقة للثقافة،  أن عبارة النائبة ليس لها علاقة من قريب أو بعيد  "بالنظرة  للأنوثة"، دونية كانت أم غير دونية،  كون الأنوثة وصف بيولوجي خارج عن سياق الرجولة؛ بوصفها مفهوما ثقافيا اجتماعيا  ينطبق على الذكور والإناث على حد سواء، طالما أن ثقافتنا ولغتنا العربية لا تحمل وصفا للمرأة التي تتمتع بالشهامة والجرأة وغيرها من صفات الرجولة غير أن تصفها بأخت الرجال أو ابنة الرجال!  ولا يخفى على أحد أن الحادثة، التي تم زجّ بها على نحو غريب وخارج عن السياق،  قد فهمت في حينها  في معرض الحديث عن أداء النائبة كبرلمانية شرسة لا تخشى في الحق لومة لائم، مقارنة  بالأداء الهش والضعيف للرجال من نواب الأمةّ والذي يخلو من مفهوم ومكونات الرجولة ليس بقصد وصفهم بالنساء كما ادعت الكاتبة، ولا بقصد التنكر لأنوثتها، والادعاء  بظهور أعراض  ذكورية أصابت تكوينها الجسدي وتركيبتها البيولوجية من قبيل البروز المفاجئ لشارب كثّ فوق شفتيها  أو النمو المباغت لعضو ذكري بين ساقيها! 

ثانيا: لا  أدري كيف وبأية عبقرية توصلت الكاتبة إلى تلك النتيجة الحاسمة أن النائبة لم تكن "حريصة على تحصيل مزيد من الحقوق للمرأة"! صحيح أن النائبة لم تطرح نفسها نسوية في أي يوم من الأيام، وهذا لا يعيبها؛ تماما كما أن الكاتبة أيضا لم تطرح نفسها يوما نسوية بصورة ما،  ولكن، ومحاضر الجلسات في البرلمان تؤكد أن النائبة كانت حريصة على تبني وطرح مشاريع القوانين المعدلة للقوانين المميزة ضد المرأة والدفاع عنها بشراسة. ما يستدعي أن أتحدث، هنا، عن تجربة شخصية جمعتني بالنائبة توجان فيصل أثناء الحملة التي أطلقتها المنظمات النسائية،  ومن ضمنها اتحاد المرأة الأردنية، بعد عودة الحياة البرلمانية لتعديل التشريعات المميزة ضد المرأة، وبغية عرض مقترحاتنا أمام البرلمان. لقد كانت توجان فيصل هي (النائب) الوحيدة في المجلس التي أمضت ساعات وأيام طويلة في مقر الاتحاد تناقش وتتفهم  مقترحاتنا حول تعديلات خاصة بقانون العمل، وقانون الأحوال الشخصية، وقانون العقوبات لضمان تحقيق المزيد من الحقوق للمرأة، فيما أعلن نائب "محترم" في ندوة استضفناه فيها لمساندتنا في تبني مادة تنص على منح الجنسية الأردنية لأبناء الأردنيات المتزوجات من أجنبي: لن يمر هذا الاقتراح إلا على جثتي. ثم عن أي خيبة للقيادات في الحركة النسائية تتحدث الكاتبة وكل عملي كان مع تلك القيادات النسائية اللواتي لم أسمع منهن يوما تعبيرا عن خيبة أمل بالنائبة؟ فالنائبة لم تكن ذات يوم من الأيام ممثلة عن الحركة النسائية أو متحدثة باسمها حتى  تشعر قياداتها بخيبة الأمل المزعومة.  كما أن السيدة /النائبة لم تنسحب من الحياة السياسية بسبب إخفاقات كما يعلم الجميع؛ بل بسبب حرب ضروس شنت ضدها  إثر اتهامات وجهتها  لعلية القوم في قضايا فساد أدت إلى صدور الحكم عليها بالسجن، وبالتالي حرمانها من خوض الانتخابات إلى الأبد.

ثالثا: فيما تنتقد الكاتبة أداء السيدات القلائل اللواتي وصلن إلى مجلس النواب بسبب انتمائهن الحزبي وتصفه بالأداء "المنضبط الذي لم يخدم حركة تحرّر المرأة  بل عمل على تهميشها " وتدين  تدني  أداء النساء عديمات الكفاءة  وأشباه الأميات اللواتي أوصلتهن الكوتا النسائية والحسابات العشائرية كحمولة فائضة، فإنها تنتقد في الوقت ذاته النائبة التي عارضت مبدأ الكوتا النسائية، التي تبين لاحقا للكاتبة أنها أوصلت نساء يمضين أوقات مناقشات المجلس بـ "الثرثرة عن تنشيف الملوخية والتوسط لأبناء مناطقهن طمعا في الترشّح من جديد"!

رابعا: لا  يفوت الكاتبة في نهاية المقال إدانة ساحة المنظمات النسائية على تقصيرها في "إيجاد كوادر نسائية ذات كفاءة لأنها انهمكت في الحصول على التمويلات الأجنبية من أجل مشاريع تنموية شكلية، أدت إلى إثراء بعضهن بالكسب غير المشروع من خلال المتاجرة بقضايا المرأة ..."، متجاهلة  أن المنظمات النسائية ليست مصانع لإنتاج كوادر نسائية ذات كفاءة تضمن لهن الحصول على مقاعد برلمانية؛ فتلك وظيفة الأحزاب السياسية ووزارة التنمية السياسية، أما المنظمات النسائية فهي منظمات غير حكومية محدودة الإمكانات، تعمل بشكل تطوعي على تمكين المرأة وتوعيتها، وتوفير الخدمات والإرشاد، وتقديم الحماية للفئات المستضعفة من الأطفال والنساء. ومن الواضح أن هناك لبسا بين هذه المنظمات وتلك التي تثري ثراء غير مشروع من التمويل الأجنبي والتي لا أريد تسميتها من باب "يا روح ما بعدك روح"، تاركة لهذه المنظمات مهمة الدفاع عن نفسها .

من المستهجن جدا من الكاتبة، وهي التي تعرضت لحملة واسعة من التشويه والشائعات على صفحات التواصل الاجتماعي كانت كفيلة بإزاحتها عن منصب وزارة الثقافة خلال أقل من أربعة شهور، أن تمارس الأساليب ذاتها، بحق نائبة سابقة وسيدة كان ذنبها كله أنها تمتعت على مدار تاريخها السياسي بصفات الشهامة والجرأة والكرامة والرجولة في زمن عزّ فيه الرجال! أقول هذا مع ضرورة الإشارة إلى أني كنت أول المدافعين عن الكاتبة في وجه الحملة التي استهدفتها لمعرفتي التامة ببراءتها من تلك الشائعات، ولن أتوانى في الدفاع عنها مجددا.

*مقالة خاصة بموقع تنوير الأردن.


مقالات ذات صلة

تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top