إلى من يهمه الأمر | غصون رحال

إلى من يهمه الأمر

غصون رحال

 

عبارة  "لا يضيع حقّ وراءه مُطالب"  ليست  كلاما مرسلا قاله أحد الظرفاء لأجل أن يجبر بها خاطرا مكسورا، ولا هي حكمة صمّاء يُعمد إلى استنطاقها في الأوقات الحرجة من أجل تحفيز المغبونين على المطالبة بحقوقهم إذا ما ثبطت عزائمهم وارتعدت أوصالهم خوفا من مواجهة قوى القهر والظلم.  تلك العبارة هي خلاصة الخبرات التي  تراكمت  في داخلي على مدى السنوات العشرين التي قضيتها في الخوض، حتى أذنيّ، في ممارسة مهنة المحاماة، ومقارعة النصوص القانونية، وصياغة اللوائح والمرافعات، والمثول أمام قضاة أشداء مقطّبين في أغلب الأحيان.  كل قضية من القضايا التي تابعتها استهلكت قسطا من عمري، واستنفدت شيئا من نفسي وفكري لأن "حبال المحاكم طويلة" كما هو معلوم. كانت ثقتي بعدالة القضاء ونزاهة القضاة دافعي الأول والأخير لرفض الاستسلام والمضي قدما، إلى درجة أعلى من درجات التقاضي كلما واجهتني عقبة من عقبات خروج  أحد القضاة عن النص القانوني، أو كلما لمست في القرار انحيازا غير مبرّر لخصم متّعه الله بسلطان "الواسطة" ، وعلّمه من أين تؤكل الكتف.
بالنسبة لي،  كانت محكمة التمييز هي حصن العدالة الأخير، بها أحتمي وإليها أختصم،  ولم تخذلني عدالتها طوال عشرين سنة . لكن دوام الحال من المحال؛ فالقضاء الذي لجأت إليه لحمايتي من الظلم السافر الذي ألمّ بي  شخصيا خذلني هذه المرة في الشكوى التي أقامتها ضدي شركة "مياهنا" تتهمني فيها بسرقة مياه والتلاعب بعدادات المياه ، وتغريمي مبلغا فاق الألفي دينار أردني.  وحيث أنه يستحيل عليّ ارتكاب مثل هذا الجرم وأنا مقيمة خارج الأردن-  إلا إذا كنت أملك طاقية الإخفاء-  حصلت على حكم قطعي بالبراءة من التهمة المنسوبة إلي. كما حصلت على حكم بالتعويض عن المبالغ التي أديتها الى شركة مياهنا من محكمة الصلح ، غير أن هذا القرار تم فسخه في مرحلة الاستئناف وتم إلزامي بالمبلغ خروجا على القاعدة القانونية (الجزائي يعقل المدني) المستقرة في النصوص والتطبيقات القانونية على حد سواء، والتي توجب على القاضي المدني أن يتقيد بحجية الحكم الجزائي وأن يأخذ بهذه الحجية من تلقاء نفسه.
المقلق جدا في هذه السابقة، أن محكمة التمييز لم تجد في هذا الخروج عن المبدأ القانوني الراسخ، والذي هو من النظام العام ولا يجوز الخروج عليه، سببا لقبول طلب إذن التمييز الذي  تقدمت به.
أعلم حق العلم  أنه لا يجوز الاعتراض على أعمال القضاء، وأن قرارات المحاكم  ينبغي أن تحظى بالاحترام والتبجيل، إلا أن  خطورة هذا القرار لا تكمن في كونه خروجا عن المبادئ المستقرة في القانون والفقه القانوني فقط، بل في كونه يمثّل سابقة قضائية سيتم اعتمادها لاحقا في القضايا المماثلة؛ ما يعني إغلاق باب التقاضي أمام مطالبات التعويض التي قد يقيمها المواطنون ضد شركات الخدمات الكبرى مثل المياه والكهرباء والاتصالات والوقود والطاقة.
من المفيد الآن وبعد  انقضاء الأيام الثلاثة ل(فورة الدم)، الاعترف أنه رغم استيعابي لهذه الصدمة، إلا أنني ما أزال  غير قادرة على التعايش مع مثل هذه الهزيمة، مما يستدعي إثارة الأسئلة وتوجيه البوصلة نحو السياسات الحكومية التي تقف خلف مثل هذه الانتهاكات للنصوص القانونية،  وتحديد الجهات المستفيدة من هذه السياسات؛ إذ لم يعد خافيا أن هناك توجها سياسيا لحماية مصالح الشركات الكبرى ومنع اتخاذ قرارات قضائية تلزمها بالتعويض بذريعة حماية الاقتصاد الوطني، وهو توجه من شأنه أن يهزّ ثقة المواطن بمنظومة القوانين ونزاهة القضاء، وربما يؤدي في نهاية الأمر إلى عواقب مجتمعية وخيمة ليس أقلها دفع المواطنين إلى استيفاء حقوقهم بأيديهم.
القضاء ملاذنا الأخير،  أرجوكم لا تفسدوه.
 
* مقالة خاصة بموقع تنوير الأردن
 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top