" نحن أمة هداية لا أمة علم وعمل " | د. حسني عايش

" نحن أمة هداية لا أمة علم وعمل "

د. حسني عايش

 

يختلف المسلمون عن بقية شعوب الأرض وأممها في عيشهم يومياً في سبعة عوالم في الوقت نفسه، داخلة في بعضها البعض، فلا يمكن تفكيكها، أو فصلها الواحد عن الآخر، بينما تعيش بقية الشعوب والأمم في عالم واحد أو عالمين أو ثلاثة، ولكن منفصلة، أي ليس على حساب بعضها البعض.
أول العوامل السبعة الإسلامية هو عالم الله تعالى كما يتجلى في القرآن الكريم وتفسيراته وتأويلاته ومتطلباته اليومية والفصيلية والسنوية الدائمة من المسلم.
وثانيها هو عالم الرسول - صلى الله عليه سولم – كما يتجلى في الحديث الشريف أو في السنة ومتطلباتها اليومية والفصيلية والسنوية الدائمة.
وثالثها عالم الملائكة التي تسجل حسنات المسلم وسيئاته على مدار الساعة والتي تقبض الروح وتستجوب المسلم في قبره وقد تعذبه فيه، وتتحكم بالمطر والطقس والمناخ...
ورابعها عالم الجن الذي يتحرك خفياً بين المسلمين وقد يستبلس نسائهم ورجالهم، أو بجعل بيوتهم "مسكونة"... فيحتاج إلى السحر والشعوذة إلى طرده وإخراجه منهم ومنها.
وخامسها عالم إبليس أو الشيطان الذي يغري المسلم ويغويه ويحرفه عن الصراط المستقيم ويجعله يخلف المواعيد أو يغش أو يكذب أو يسرق أو يزني أو يقتل.
وسادسها عالم الإنس أو البشر "الكافر" الذي يتأمر ليل نهار على الإسلام والمسلمين، مما يوجب على المسلم رد كيده إلى نحره أو هدايته إلى الاسلام، ولكن بالإرهاب: "ترهبون به عدو الله وعدوكم". (الانفال، الآية:60)
وسابعها عالم الطبيعة أو الدنيا الفانية بما فيه من حيوان وثبات وجماد وظواهر وأسرار. وما أن يصل إليه حتى يكون منهكاً وغير قادر على القيام بشيء يذكر أو يُتذّكر في هذا العالم. نعم ان الملك (العوالم) كله لله ولكن المسلم مشغول إلى أذنيه في العوالم الستة الأولى، وغير مشغول بشيء يذكر في العالم السابع المتروك لبقية الشعوب والأمم تنشغل به بالكشف عن قوانينه وأسراره، واختراع التكنولوجيا التي تسيطر عليه بتكييفه لها أو بالتكييف معه.
ولما كان الأمر كذلك، كان على بقية الشعوب والأمم توفير الخدمات اللازمة كافة للمسلم ليتفرغ لشغله في بقية العوامل. ويؤكد المسلم صحة موقفه هذا بقوله تعالى: " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين"{13/43}
يقول الشيخ الإمام ابن عطا الله السكندري (المتوفي في 709ه) في كتابه: التنوير في إسقاط التدبير: "ارح نفسك من التدبير فما قام به غيرك عنك لا تقم به أنت نفسك (ص3). وقال: ذروا التدبير والاختيار، فدبروا أن لا تدبروا (ص 25). وقال: أعلم ان التدبير والاختيار وباءٌ عظيم وخطره جسيم (ص 68). وأن التدبير والاختيار من أشد الذنوب والأوزار (ص85) ".
ليس مطلوباً من المسلم إذاً التكفير خارج هذا الصندوق السداسي الديني، أو تضييع وقته بالإبداع والابتكار والانتاج. تلكم مهمات الشعوب والأمم الأخرى الدنيوية، والمسلمون فقط يستهلكون (مستمد من كتابي البقاء في عالم متغير/ 1995)
ولحسن الحظ شهد بذلك وأكده واحد من أهله وهو الدكتور الداعية النائب المبجل محمد نوح القضاة، بنظريته الفقهية التي تقيد أن امة الإسلام تعمل للموعود حتى يأتي الشهود، وأنه لا مبرر لديها لصناعة الطائرات والسيارات والفضاء، فنحن – المسلمين- ما لهذا خلقنا، نحن خلقنا أمة هداية، وبقية البشر تلاميذ للعمل والعلم، وبهذا يحصل التكامل".
لا تستغرب إذا تحويل الحضانات ورياض الأطفال والمدارس والجامعات في البلاد إلى مراكز دينية بما في ذلك كليات الهندسة والعلوم والطب.
وبهذا يمكن تفسير احتلال الخطاب الديني عند المسلم 99% من خطابه العام بانشغاله تنازلياً بهذه العوالم الذي تسارع حتى بلغ الذروة بعد هزيمة 1967 الساحقة الماحقة، وبعد " الصحوة" الاسلامية التي تلتها وقامت بالتعبئة الدينية الشديدة والمتشددة. وقد سُميت هذه العملية بالأسلمة. وكان ظهور منظمات الإرهاب طالبان والقاعدة وداعش أبرز تجلياتهاة لفرض الاسلام على العالم.
لقد أدت هذه التعبئة وما انبثق عنها من إرهاب إلى كره بقية الشعوب والأمم للإسلام والمسلمين وضيق خلقها عليهم لأنه (الإرهاب) جعل كل واحد في العالم متهماً محتملاً به، فيفتش يدوياً واليكترونياً عند كل مدخل/معبر، وضحية محتملة له في الوقت نفسه بتفجير أو طعن أو دهس...
ترى كم من الوقت يصرف الأوروبي، أو الصيني، او الياباني ... أو الأمريكي (المتدين) في اليوم على العوالم الستة؟ كم تأخذ من وقته وعقله ويده؟
 


مقالات ذات صلة

تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top