المعلم .. صانع النظارات الأيديولوجية | زيد أبو درويش

المعلم .. صانع النظارات الأيديولوجية

زيد أبو درويش

 

 يجادل البعض بأن مهمة المعلم محدودة وتقتصر على إكساب التلامذة المهارات المعرفية النظرية والتطبيقية باستخدام الوسائل والأساليب والمناهج المحددة، ولكن الواقع يشيرالى شيء آخر إضافي يقوم به المعلم في نطاق النظام التعليمي، إذ أنه – المعلم – يزود تلامذته بحزمة من الافكار والمعتقدات والتصورات والرؤى والمعايير المتعلقة بحياته وسلوكه  كفرد وموقفه من المجتمع والقضايا العامة والخاصة. إن هذه الحزمة من الافكار والمعتقدات التي يتبناها فرد او جماعة وتحدد موقفهم من مجمل مواضيع الحياة هوما يطلق عليه في احدث التعريفات :"الأيديولوجيا". وعلى سبيل المجاز يمكن هنا أن نصف المعلم بأنه صانع نظارات أيديولوجية يضعها المعلم على عيون تلامذته، وهذه النظارات ستحدد رؤية التلامذة لأنفسهم وللحياة والمجتمع.
  تكشف هذه التفاصيل الخطورة المضاعفة للمعلم "القائد الميداني للعملية التعليمية"، ففي هذه المواجهة غير العادلة بين معلم مدجج بالمهارات التواصلية والخطابية وبين التلامذة الذين يوصفون غالبا بأنهم صفحة بيضاء (blank) يستطيع المعلم ان يملأها بما يشاء بعد ان ينتهي من تزويدهم بالمهارات المعرفية المنهجية هذه الأخيرة التي ستعطيه سلطة معرفية "كارزمية " تسهل عملية التأثير على جمهوره من الطلبة وتمكن للمعلم نقل الأفكار والمعايير والمعتقدات بل وتمكنه من تحديد ذائقتهم العامة في ما يحبون وما يكرهون، وفي تحديد ما هو حق وما هوىباطل، وما هو صحيح وما هو خاطئ، وحتما سيكون التأثير مؤكدا عندما تتم هذه العملية في نطاق مغلق يتسيده المعلم.
  في سياق المواجهة المحتدمة بين نقابة المعلمين والحكومة، وبتأثير الخطوات التصعيدية المتبادلة بين الطرفين، سيدخل المعلمون الى غرفة الدرس يعتريهم الغضب والسخط والرفض والشعور بالعجز والإنكسار، وعليه فمن المؤكد أن ذلك سيكون له الأثر الكبير في تحديد مضامين الخطاب المضاد الذي سينقله المعلم الى تلامذته وفق للآلية التي بيناها سابقا والذي سيتراكم في عقول وأذهان الطلبة مشكلا مواقفا عامة نقدية رافضة وبخطورة مفتوحة على جميع الاحتمالات ستظهر في سلوكهم العام، وهذا ما يشكل خسارة وطنية للجميع توجب الكثير من العمل لإعادة تصحيحها.
 
  كان من الأفضل، وأمام هذه الحقائق، لو أن الحكومة ذهبت الى استراتيجية الاحتضان والاحتواء لنقابة المعلمين بدلا من الاستعداء والاقصاء والضرب، ذلك الاحتضان الذي يضع النقابة في موقع المتعاون والشريك وبما يقصي جميع المخاوف التي تضعها الحكومة باعتبارها ومنها الخشية من إختطاف النقابة، التي تشكل اكبر هيئة عمالية متواجدة على طول البلاد وعرضها من قبل جهات سياسية لها اجندتها الخاصة. ويمكن ان نسوق بعض الاقتراحات  والمبادرات التي يمكن أن تغير شكل العلاقة بين الحكومة والنقابة مثلا : ان تقوم الحكومة بتزويد صندوق النقابة بقرض مالي من البنك المركزي بفائدة صفرية  تصرف منه النقابة لأفرادها قروضا دوارة، او ان تعمل مع النقابة على رفع الاشتراك الشهري للمنتسبين مما يرفد صندوق النقابة.بما يمكنه من تقديم الخدمات المالية للمعلمين، وكذلك يمكن ان تقوم الحكومة باشراك النقابة في بعض النشاطات الاستثمارية مثل طباعة الكتب المدرسية ، وكذلك تكليف النقابة والتنسيق معها في برامج تطوير المستوى المهني للمعلمين وتطوير المناهج  وكذلك اشراك النقابة في مشاريع تطوير المحتوى الرقمي للمناهج ..الى اخر ذلك من الاقتراحات التي تؤدي الى رفع الملاءة المالية للنقابة والذي يجب أن تنعكس على أفرادها وظيفيا وماليا وبالشراكة التامة مع الوزارة، على أمل ان تتحول النقابة والمعلم الى شريك فاعل وايجابي بدل ان يكون متطلبا ومصدرا للقلق والارتباك ومنبرا للخطاب المضاد.
  من ناحية اُخرى، وفي حال اتخاذ الحكومة لخطوات التهدئة وتبني مواقف ايجابية من الاقتراحات الواردة في السياق، فإن الواقع يملي على النقابة مجموعة من الالتزامات يمكن  إجمال بعضها بما يلي:
اولا: الخروج من الشارع فوراً والبدء بعملية إعادة صياغة خطابها بما يتوافق مع طبيعتها النقابية والمهنية، التجارب تفيد بأن الشارع لا يمكن السيطرة عليه ولا يمكن منع شعارات اُخرى من الركوب على اكتاف النقابة وتجييرها.
ثانيا : الاضراب خط أحمر يجب أن تتوقف النقابة عن التلويح به وبدلا من ذلك اللجوء الى الوسائل القانونية القضائية والإعلامية في عرض شؤونها ومطالبها.
ثالثا: الانسجام الوطني على النقابة ان تعي جيدا السياق الوطني العام ومدى ملائمته لطرح مطالبها، الكثيرون لم يوافقوا النقابة على مطالبها التي بدت استثنائية مقارنة ببقية القطاعات خاصة في هذا الظرف الاستثنائي الذي فرضته الجائحة
رابعا : من النقاط الهامة على النقابة ان تثبت فعلا - لا قولا- وفي جميع انشطتها وفي أن إرادتها وإدارتها وفعالياتها غير مرتهنة لأية جهة او حزب معارض او موال إذ ان هذه المسألة شكلت فتيل إنفجار هذه الأزمة الطاحنة.
  وأخيراً، وبالعودة الى ما ذكرناه في مقدمة هذا المقال نقول للحكومة انها قادرة وبالقوة المتوفرة لديها من ادوات قانونية ومن وسائل أمنية ان تطيح بالنقابة، تستطيع ان تسيطر على بنيتها المؤسسية وان تحلها اذا شاءت وان تعيد المعلمين الى غرفة الدرس ولكنها من المستحيل ان تراقب او ان تسيطر على عملية انسياب الخطاب المضاد خاصة عندما يقرر المعلم ان يضع على عيون طلابه نظارات بألوان ايديولوجية ..غاضبة !
 
* مقالة خاصة بموقع تنوير الأردن


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top