سميحة خريس تبوح بوهج البدايات وأسرار الكتابة

تواصل معنا

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

سميحة خريس تبوح بوهج البدايات وأسرار الكتابة

عمان – تنوير

حوار وتقديم: كمال الرياحي

ربّما لم أعرف، باعتباري قارئا مغاربيا، كثيرا عن الشّعر الأردني فباستثناء بعض قصائد المعلّم الأول عرار لم تقع بين يدي أعمال غيره ما عدا ما يجود به بريد الأصدقاء، خلافا للإنتاج السردي الذي قطع الحدود ليكون بين أيدينا، ولا نفشي سرّا إذا ما قلنا إنّ الفضل كل الفضل يعود إلى تلك المجلاّت والدوريّات الأدبيّة الأردنية منها والعربية فقد كان ما نقرأه حول الإبداع السردي الأردني بها هو الخيط الذي نشدّه للبحث عن المصادر، كما ساهمت وزارة الثقافة من خلال سلسلة “مختارات أردنية” وأمانة عمّان الكبرى من نشر وإعادة نشر أعمال الأردنيين السرديّة وإن كانت مسالك التوزيع مازالت متعثّرة.

لقد قرأنا إلى جانب أعمال الرائد غالب هلسا نصوصا لجابر إبراهيم جابر والراحل مؤنس الرزاز وهاشم غرابية وخليل قنديل ومحمود الريماوي ومفلح العدوان وإلياس فركوح ومحمد عبد الله القواسمة ويحي القيسي وجمال أبو حمدان وهزاع البراري ورمضان الرواشدة ومصطفى صالح وإنصاف قلعجي وعبد السلام العجيلي وسامية عطعوط… إلخ.

وعرفنا من بين من عرفنا قاصة وروائيّة نهضت أعمالها السرديّة على قدر كبير من الحرفيّة والشعريّة. قال عنها النّاقد والروائي السوري نبيل سليمان أنها “تنسج الأصوات واللغات، مولّهة بسرديّة لا يمكن أن يكتبها إلاّ لعب الأنثى الفاتن، وخبرتها المعمّقة بالكتابة والمكتوب” وهي التي شبّه خليفة الخياري أسلوبها في “شجرة الفهود” بأسلوب فلوبار في رائعته “مدام بوفاري”، وذهب يوسف أبو لوز إلى أنهّا كانت في روايتها “تضرب النصّ الروائي الأردنيّ أو بالأحرى تهزّه هزّا، هي كاتبة ذات قدرة عالية على مسك النصّ والمكان والتاريخ والذاكرة حيث ينصهر كل ذلك في عمل روائيّ مدهش”. وهي التي وصف “صحنها” د. نضال الصالح بأنه إضافة مهمّة إلى المكتبة الروائيّة العربيّة (عمّان عدد 99) وهو نفس النصّ الروائي الذي قدّمه إبراهيم جابر إبراهيم قائلا : “والذي فاجأني أنني حين حملت الكتاب بيدي لأقرأه، لم أرخه من كفّي طيلة ساعات أربع، حتى حين كنت أشعل سجائري، كنت أستخدم كفّي اليسرى وحدها”، وقد ظلّت شخصياتها الورقيّة تلبسه وتأسره حتى بعد الفراغ من قراءتها فسرقت من جفونه النعاس وأكّدت له أنّها رواية استثنائية فرأى فيها “رواية اللغة” و”رواية نقض المسلمات” ورواية “ضدّ قوننة المشاعر” و”رواية مجدّدة” و”رواية اللغة الصاعدة إلى ذروة الشعر” (عمان عدد 97).

إنّها سميحة خريس صاحبة : “مع الأرض” و”أوركسترا” و”رحلتي” و”المدّ” و”شجرة الفهود : تقاسيم الحياة” و”شجرة الفهود : تقاسيم العشق” و”القرمية” و”خشخاش” و”الصحن” و”دفاتر الطوفان”، وهي التي نزلت ضيفة على هذا الحوار الذي طارت أسئلته من البحر الأبيض المتوسط نحو البحر الميّت لتعود محمّلة أجوبة كلّها تدفّقا ووعيا وحياة.

وفي هذا اللقاء تتحدّث سميحة خريس عن طفولتها وبداية علاقتها بالحبر والقرطاس وتكشف أسرار الكتابة ورحلتها مع القصة القصيرة والرواية، وفي الحوار حديث عميق حول الميتاقص Mitafiction وكيف تحوّلت الكتابة إلى مادّة كتابة في روايتها “خشخاش” فترى سميحة خريس أن هذا الشكل من الكتابة لن يؤمّن وحده الطريق أمام الرواية حتى تحقّق حداثتها.

وتأخذنا أجنحة الحوار نحو عوالم فان كوخ لنتوقّف عند لوحته “الخشخاش” فتحملنا بدورها إلى سرّ تلك النبتة المجنونة الملعونة. وغير بعيد عن جنون النبتة تسحبنا الأسئلة إلى ألعاب سميحة خريس السردية في مواقعتها للقارئ الذي عادة ما تُدخِلهُ نصوصها في حيرة التساؤل عن وجه الكاتبة بين وجوه أبطالها. هذه الكاتبة التي تعشق لعبة “الأستغماية”. في الحوار، أيضا، حديث عن توظيف التاريخ روائيا وشعرية الرواية وبراءة الرواية من “مقتل” الشعر أو نكسته، وفيه قول عن الحواس وحضورها في أعمالها وحضور نص الآخر فيها. كما يعرّج الحوار على رحلة نص سميحة خريس مع الرقابة وعن انهيار ثقافة المركز وواقع القراءة… فشدّوا أحزمتكم للإقلاع نحو فضاءات البوح لمواجهة أحد نوارس الرواية الأردنية المعاصرة.

 

 البدايات ؟ وهل أجمل من البدايات ؟! كيف كانت الارتماءة الأولى في يم الكتابة ؟

* كانت الكتابة الأولى عقابا يوقعه بنا، أنا وأخوتي، خالي الذي يمتلك مزرعة للزيتون والفاكهة، ولما كنا مشاغبين نقطف الفاكهة بما يفوق احتياجاتنا ثم ندفنها في الأرض هربا من التأنيب فإنه يجلسنا ويضع بين أيدينا أقلاما وأوراقا، ثم يطالبنا بنسخ الصحيفة، كانت أناملنا تتعب ولكني أنا شخصيا شعرت بمتعة ما يخطه القلم، من هذا العقاب المبكّر إلى شعوري بالرغبة الملحّة للتعبير عن الكون المدهش رحت أكتب قصائد مضحكة، وكثيرا ما أقف لإلقائها بين الأهل والصحاب، وأحتاج الوقت إلى أعوام لأدرك أني شاعرة فاشلة ولكنّي عثرت على دربي في المدرسة حين راح كل موضوع للتعبير يتحول من فكرة إلى قصة، قالت لي المعلمة، هذا ليس موضوع تعبير، أنت حكواتية، وشعرت بالإطراء وإن كانت تقصد عكسه، بدأت أدرك أن للعالم آفاق أوسع عبر الكتابة… وهكذا كان، صرت على حد تعبير أمي “بياعة حكي”.

طفولة سميحة خريس، الطفلة والمكان والزمان والمحيط العائلي والاجتماعي ؟

رأت الطفلة النور مع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، كان من الأجدر كامرأة أن أخفي عمري، ولكني أشعر بأن كل لحظة تتراكم فيه تزيدني وتضيف لي فلا أنكرها، ولدت ابنة لرجل ينحدر من عائلة ريفية من مدينة “أربد” حيث سهول القمح وأم متعلّمة تنحدر من عائلة أرستقراطية أقرب إلى الإقطاعية، من جبال السلط، ولكني ولدت منقطعة عن البدايات، إذ سكن أبي موظفا بسيطا في مدينة عمان، لتشهد منطقة المحطة مولدي، الابنة الثانية للأسرة بعد صبي ذكر، وليتبعني صبي آخر وبنت أخيرة، معظم طفولتي قضيتها في عمّان، ولكني تنقلت بحرية بين مزارع جدي لأبي في “أربد” ومزارع جدي لأمي في السلط، ازددت التصاقا بالطبيعة، في السابعة من عمري تعرّفت إلى البحر، ارتحل أبي معارا إلى حكومة قطر، وذهبنا معه، لم يكن لقائي بالبحر دون معنى، لقد تغيّرت حياتنا من أسرة في ظروف صعبة إلى أسرة متوسطة تستمتع بالحياة، عشت سبع سنوات في الدوحة لأعود إلى عمان، ويبدو أن أمر الاستقرار كان بعيد المنال، فوالدي بدأ يحظى بفرص عمل جيدة، ورحنا نتنقّل معه، عمل وزيرا، ثم سفيرا، هكذا دخلت الصبا وأنا أرتحل من مدينة إلى مدينة، زرت جنيف وباريس، وسياتل، وعشت في الخرطوم والقاهرة وأبو ظبي، ثم تزوّجت وأنجبت بنتين وعملت في الصحافة، وهي خيار قديم ربما ذهبت إليه اعتقادا مني أنه يقربني إلى الكتابة كعمل إبداعي، عشت في دولة الإمارات لستّة عشر عاما عملت فيها في صحيفة الاتحاد محررة ثقافية، ثم عدت إلى عمّان لأستقرّ فيها، وعملت في صحيفة الرأي مديرة تحرير للثقافة، وحاليا أعمل منسقة التأهيل والتدريب في مركز دراسات الرأي التابع للمؤسسة الصحفية الأردنية، أعيش حياة حالفة بالعمل، أشتهي الكسل أحيانا ولكني لا أقوى عليه، أدور النهار كله مثل النحلة حتى أن البعض يعجبون من الوقت الذي أجده لكتابة الروايات، ولكني أنظم أوقاتي بما يمكن.

تفصل بين المجموعة القصصية الأولى “مع الأرض” والمجموعة الثانية “أوركسترا” قرابة عشرين عاما، ما هي علاقة سميحة خريس بهذا الجنس الأدبي ؟

كتبت “مع الأرض” وأنا على مقاعد الدراسة، وأصدرتها في السنة الجامعية الثالثة، لعلّ القصة القصيرة أسلمتني مفاتيح السرد، حين كنت أحول دروس التعبير إلى قصص، وأتلمّس العالم عبر الحكايات، ولكني جنحت سريعا ومبكرا إلى عالم الرواية، وإن كانت القصة كثيرا ما تتسلّل نحوي، نشرت خلال أعوام قصصا كثيرة تناثرت في الصحف، وقد ضاع معظمها إذ لم أجمعها في كتاب، ثم في مرحلة استراحة بين عملين لملمت قصص “أوركسترا” وأودعتها كتابا مطبوعا، في الواقع أشعر أن القصة زائرة حبيبة، تأتي أحيانا وتغيب مطولا، كأنها فتافيت تتناثر من معطف الرواية، ذلك أن الرواية لها جبروت وسيطرة بحيث تأخذ بمجمع أعصاب الكاتب ولا تترك له مجالا للذهاب إلى غيرها، كثيرا ما تراودني القصة فكرة وموضوعا وومضة حارقة، لكني أجد نفسي أستثمر تلك البارقة لأوظفها في نسيج النص الروائي، لعلي بطبيعة أفكاري التي تتناسل من بعضها لا أصلح للقصّة دون أن أبسطها على مسرح الرواية.

الميتاقص، أو الميتارواية كما يسميها سعيد يقطين، هذه الكتابة النرسيسة – الرواية التي تكتب ذاتها، مسائلة، مهددة، هاتكة لأسرار كتابها فاضحة سترها، هل هي سبيل لحداثة الرواية العربية وإنقاذها من عباءات الكتابات الناسخة ؟

الرواية التي تكتب ذاتها أمر اكتشفه وأنا أمسك بالقلم، يبدو كلام الأديب مجانيا أو استعراضيا عندما يقول أن هناك أفكار تنثال رغما عنه، وأن الكتابة تستخدمه لكشف أغوار الحياة، ولكني جربت مثل هذه الحالات، ربما في “خشخاش” و”الصحن” تحديدا، حين كانت الأفكار والأحداث، بل وحتى الأفكار المسبّقة تتوارى لتفسح لفيض غامض من المشاعر والرؤى، وفي “خشخاش” كان هناك فضح جزئي لأسرار الكتابة، ولكني أعترف اليوم أني حاولت السيطرة على المكتوب، ويا ليتني لم أفعل، ربما مازال هناك حريق داخلي هو بعض حريق الحياة يبحث عن فرصته ليتجلى ويبرز ويهز شجرة الحياة فاضحا سرها، ولكني ورغم إدراكي لأهمية هذا النوع من الكتابات التي تساهم فيها الروح أبعد مما تساهم الحرفية الواعية لا أستطيع أن أراهن أن مثل هذه الأعمال هي السبيل الوحيد للحداثة، ولا أظنّ أن الرواية يمكن أن تحقق حداثتها دون الحوار المتكامل بين مجمع أشكال كتابة الرواية الحديثة، والتي بالطبع لن تلغي ما سبقها، سيظلّ للإنجاز البشري حضوره التام في مختلف التنازلات، ربما لهذا أجدني ألعب لعبة خطرة حين أجمع بين غلافين شيئا من العقل والجنون، شيئا من الحداثة ممزوجا بقدر لا يستهان به من الواقعيّة، وأحيانا الفنتازيا، أحاول أن أكون خريطة للإنجاز الإبداعي، أتلمّس بوله مواقع الجمال في كل كتابة من مختلف الصنوف.

من يقرأ روايتك “خشخاش” لا يمكنه إلا أن يتورّط في رحلة من الدهشة من أول سطر إلى آخر كلمة فيها، فعلى امتداد الرواية يشعر القارئ أنه في رفقة نص مختلف، كيف أمكن أن تبني رواية انطلاقا من زهرة بريّة مشبوهة، زهرة كان قد كرمها فان كوخ بلوحة زيتية ؟ هل الرواية عندك حكاية التفاصيل الصغيرة ؟

كنت أقول إن القصة القصيرة تأتي من التماعة صغيرة، من رحيق عابر، من تفصيلة أصغر من أن تلحظ، وأن الرواية هي البناء الموازي للحياة، ذلك البناء الذي ينتظم الأحداث الكبيرة، من المواقف الفاعلة، والانقلابات والانزياحات التي تشبه الزلازل، ولكني أثناء الحياكة لهذا العالم، أكتشف أن لا وجود للحياة الكبيرة دون التفاصيل، تلك التي تنتظم بعبقريتها الخاصة لتشكل الصورة الكلية، تماما مثل قطع الفسيفساء الملونة الصغيرة التي تتمتع كل قطعة منها بخصوصيتها وفرادتها، وتمتلك روحها، ولكنها تصير جزءا رئيسيا في اللوحة الأكبر، لا يمكن رفعها من السياق، نعم للتفاصيل الصغيرة حضور ذكي، ولها قدرة على نحت الصخر، وفي النهاية لا يمكن أن تكتمل روح النص الروائي إذا لم يعرج على التفاصيل الصغيرة لذاتها، ولمكانتها الخاصة، ثم لدورها الفعّال الذي تلعبه في تشكيل الحياة وما تمور به من حكايات كبيرة، ولقد اكتشفت أن حقيقة الرواية الممتعة تتجلّى أكثر بالاقتدار على مثل هذه التفاصيل، ولكني أعي أن الافتتان الذي يصيب المبدع نحو ميله إلى تفاصيل بعينها قد لا يكون موفقا عندما تفشل هذه التفاصيل في الاندغام باللوحة الكاملة للنص، هناك حرفية نتعلمها كي نختار ونعزل بدراية وعن وعي التفاصيل اللازمة وتلك الفائضة، وإلا تحولت الرواية إلى ثرثرة حكواتية.

هذه الرواية على خلاف ما نقرأ، أبطالها كاتبة مبتدئة وشخصية ورقية متمرّدة وأنفاس فنان راحل وزهرة هاربة من بساتين لوحاته، رواية بلا أسماء ولا أماكن ولا معلومة ولا أزمنة محددة، وعلى قدر هلامية هذه الأجواء، فقد نجحت الرواية في أسر القارئ وتوريطه ليصبح جزءا من اللعبة السردية.

هل يعني هذا أنّ الرواية لم تعد في حاجة إلى شخصيات أو أماكن وأسماء، كما سبق أن صرحت نتالي ساروت ؟

خشخاش” هي رواية الكتابة، بمعنى، أني أردت أن أفضح أسرار الكتابة كعملية معقدة وأعرج على أسرار الأنثى أيضا، كنموذج للسر البشري كله، لم تكن الأسماء والأماكن والأزمنة ذات بال ي هذا النص بالذات، فما يحدث داخل النفس البشرية ممكن الحدوث دون تلك الأطر التقليدية، بلا ضابط ولا معيار، لقد اكتفت الرواية هنا بتلك الإشارات المقتضبة للمكان الذي يلمح إلى كونه عاصمة خليجية على البحر، واكتفت من الأسماء باسم هو نموذج أكثر منه شخص بعينه كفان كوخ، ذلك أن هذا القدر الضئيل من المعلومة يكفي النص ليقول دلالته، إنّه نوع من التكثيف المقصود رغبة في تقطير العمل إلى حد جعله جرعة مناسبة تماما لما أريد الذهاب إليه دون زيادة أو نقصان، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أني أذهب إلى إثبات نظرية تقول بأن الرواية لم تعد بحاجة إلى العناصر المتعارف عليها، أنا أؤمن أن لكل نص أدواته، ولا أتخيل نصا دون شخصيات، ربما أُغيّب الأسماء لمغزى ما، وإذا ما حضرت الأسماء سيكون للأمر أيضا دلالاته، والحقيقة أني في معظم أعمالي عاشقة للمسميات والأمكنة وتحديد الأزمنة، ذلك إنّي أتقصد المكان بطلا في العمل، وأحاول رصد الزمن بدقة شاهدا على ما سبقه مستشرفا ما يليه، وهذا الأمر له علاقة بتجذير الذات والإعلاء من شأن الانتماء الخاص وصولا إلى انتماء أعلى شأنا، انتماء إنساني بلا حدود، هذا المنحى واضح في أعمالي “شجرة الفهود” و”القرمية” و”دفاتر الطوفان” ولكنه يبهت في خشخاش، ويتلاشى تماما في “الصحن” ذلك أني أدرك أن لكل عمل خصوصية في الأدوات التي يتمّ عبرها صياغة العمل، لهذا أقول أن النص يختار احتياجاته، ولا يغريني القول بأن من الحداثة تدمير البنية المتعارف عليها، قد أدمرها عندما يلزم، وقد أشيدها متكاملة إذا احتاج النص إلى إطارها المتوارث.

فان كوخ، يكاد يكون هذا الفنان الهولندي إلى جانب الإسباني سلفادر دالي أكثر الرسامين تداولا وحضورا في الأدب العربي والأجنبي شعرا ونثرا. لماذا فان كوخ في نص سميحة خريس ؟ هل هو الجنون الذي يبحث عنه الروائي هو الذي قادك نحوه ؟

لفان كوخ فتنته من جانب سيرته الذاتية وحياته وعشقه ورسائله المريرة لشقيقه، وله حضوره الفاتن في لوحات ذات شهرة عالمية، ولكني لم أتناوله على سبيل الموضة، هناك نسق في النص يمد خيطا مرهفا بين حالة البطلة الكاتبة المبتدئة، وزهرة الخشخاش التي رسمها فان كوخ، لعلّه رسم زهورا كثيرة، أشهرها عباد الشمس الباحثة عن الضوء وهو في عتمته، ولكن رسمه للخشخاش استوقفني، كان لا بدّ من الإشارة إلى طبيعة تلك النبتة المجنونة التي تزهر وتقود العقل البشري إلى متاهات غريبة ولكنها أقرب إلى الحقيقة من ذلك الرداء والمسوح التي نرتديها لإخفاء الجوهر عن الآخرين، وربما عن أنفسنا، قمت بالتقاط هذا الخيط لأفسح مجالا لميلاد الشخصية الروائية الورقية أو الهلامية القادرة على التمرّد بعكس المرأة الواقعية الخائفة من أعماقها، ولقد وجدت فان كوخ يتورط بذاته في اللعبة حين ظهر مرات في ثنايا الرواية، آخرها ساخرا غامزا البطلة وهو معلق في إطار لوحة في معرض، ليقول أن الحياة مدورة، ونحن لا شك ندور.

رصدنا إشارات واضحة في الرواية تحاولين من خلالها استبعاد ذلك التطابق الذي يسقطه القارئ على كل من سميحة خريس وراوية العمل وهي كاتبة، فجعلت الكاتبة تغار من إنتاجك الأدبي وهو ما دفعها إلى محاولة كتابة الرواية. هل فعلا هذه الكاتبة غير سميحة خريس أن أنك أردت بذلك أن تعارضي تجربتك الروائية بهذا العمل، فكان لزاما عليك أن تتخلصي من ثقل الذات ؟

نعم قمت بوضع إشارات للفصل بين بطلة الرواية وبيني باسمي الصريح، أعرف أن لعبة المطابقة لعبة شيّقة للقارئ، خاصة عندما تكون الكاتبة أنثى، ولكني أحب لعبة “الاستغماية” أيضا، ويعجبني ذلك الإرباك الذي يتأتي من مقولة كل ما كنت تفكر به عزيزي القارئ ليس صحيحا، ولكني أيضا لا أفرض مقولاتي يقينا مطلقا، نحن نلعب، ولا بأس من بعض الارتياب، والفكاهة، والتضليل، وبين كل هذه الدروب المتقاطعة لابد من الاعتراف أيضا أن للذات ثقلا يسرني الفرار منه، بل وأجزم أن كل مرة تكتب فيها هذه الأنا هي تغاير سميحة خريس التي كانت تكتب منذ لحظات، وأن كل عمل أنجزه أحبّ أن يكون مغايرا للتجربة السابقة، أتخلص من نفسي في كل كتابة وأشتري نفسا جديدة لأبيعها لاحقا، أتجدّد ولا يعجبني أن يفتّش القراء عن الملامح التي يعرفونها فيعثرون عليها بسهولة، ربما أفضل أن يعثر الواحد منهم على ملامحه هو، عندها نكون قد أتقنّا اللعبة.

  هل تفكّرين بالعنوان قبل كتابة الرواية أو أثناء كتابتها أو بعد الانتهاء منها ؟ ما أهمية هذه العتبة النصية عندك، هل تعملين على أن تكون مغرية ؟ أتذكّر أنك سخرت من عنوان إحدى رواياتك “اسم تقليدي، كأن عنوان فيلم قديم أبله” ؟؟

العنوان ليس مجرد عتبة إلى النص، إنه ملتحم تماما بالنص، ولعلّه اختزال الرسالة كاملة، كلمة السر التي تخبأ خلفها العالم قبل أن أفتحه بين يد القارئ، لهذا وغالبا ما تحضر كلمة السر أولا، قد يحدث تغيير طفيف عليها أثناء الكتابة، مثل رواية “دفاتر الطوفان” التي كانت “الطوفان”، ولكن كون هذا العنوان تم تداوله روائيا وقصصيا قادني إلى تعديل بسيط، أما بقية الروايات فقد جاءت بعناوينها مع الشخوص والفكرة والدلالة، وكونها كذلك يجعلني فاشلة “بالمعنى التجاري” من اختيار عناوين مغرية، أعني أن هناك سوقا يدفع الكاتبات لعناوين تصلح للوضع على لوحات الإعلانات المضاءة، وقد تحقّق شيئا من بيع الشباك المعروف، ولكني كما قلت فاشلة في هذا المضمار، ذلك أن العنوان جزء من لحمة النص، إنه يقول مقولته ويختزن فكرته، يقوم بعض الأصدقاء بنصحي بتغيير العنوان لضمان الرواج، فأشعر أني سأقتلع عينا من عيون العمل، لهذا أتمسك بالاسم، عندما كتبت “القرمية” حاورني الكثيرون حول صعوبة الوصول إلى المعنى، وراهنت على الاسم العربي الفصيح الذي لابد من إعادة إحيائه ونفض غبار النسيان عنه، بل وذهبت إلى أبعد من ذلك بوضع صفحة من المعجم تحمل كل المعاني التي تقود إلى لفظة القرمية، فإذا بكل المعاني تحمل روح النص الروائي الذي كتبته على اختلاف سياقها، العنوان يصيب المرء بالذهول ولكنه قادر على خلق الألفة اللازمة بعد ذلك، العنوان بصمة لا يمكن تزويرها، أما فيما يختصّ بالسخرية من عنوان “شجرة الفهود” فقد كان هذا جزءا من لعبة التمويه على القارئ وإخراجه من يقينه بأنه يقرأ لذات الكاتبة.

ترشح رواياتك بشعرية عالية، هل هذا دلل على أن الشعري لا يفسد ملامح السردي، وأن الرواية يمكنها أن تكون شعرية ؟

ترشح رواياتي بالشعريّة، ولكنها ليست شعرية خالصة، أنا أشعر بأن أداة الشعرية جاهزة دائما للأخذ بناصية اللغة إذا ما استدعاها النص، الشعرية ليست نقيصة في النص إذا حضرت في موضعها كما أن الرواية وعاء مرعب، غول جائع لكل صنوف الإبداع، أحيانا أرسم داخل النص، وأحيانا أعزف بين الكلمات، وتتجمّع المعارف والتجارب، والأحلام كلها لتصيغ الرواية، فلماذا نستبعد الشعر، سيد الكلام العربي منذ عرفنا الإبداع، يمكن للرواية أن تستعين بكل ضروب المعرفة وهنا يأتي دور الحرفي الماهر، الصائغ الفنان الذي يعي المقادير اللازمة لجعل عمله عملا متوازنا، عندما يغرقنا الروائي بالشعر دون وعي للقدر الذي تتقدم فيه الحكاية ويتراجع الشعر فإن الأمر يخرج من بين يديه، ولكن لا أجد روائيا حقيقيا قادر على الاستغناء عن الشعرية، حتى أولئك الذين يدعون إلى تكثيف العبارة وجعلها تذهب إلى مقصدها مباشرة، أليس في هذا الأمر بعض من متطلّبات الشعر الحديث ؟ نعم للشعر في موقعه ولا بد للرواية أن تحبل بالشعر وسواه من الفنون، لأنها الكل في واحد.

قيل أن الشعر وجد جريحا على إحدى الطرق السيارة، ويجري الآن تحقيق مع الرواية بعد أن اتهمها شهود عيان بارتكاب الجناية. هل داس الجنس الروائي فعلا الشعر وتسبّب له في عاهة مستديمة حوّلته إلى جنس مقعد يقضي كل وقته في تجهيز كفنه وانتظار ملك الموت ؟

هذه صورة طريفة، لقد مسرحت المشهد بذكاء، ولكن المشهد مجرد فانتازيا ذلك أن الرواية لا علاقة لها بالنكسة التي اعترت الشعر، العربي على وجه التحديد، صحيح أن العصر منح للرواية أفقا واسعا، وأنها راحت تتقدّم بخطى سريعة في ذات الوقت الذي تراجع فيه الشعر، حتى أن كثير من الشعراء يجربون كتابة الرواية اليوم، ولكن هذا يحدث لقصور في الأدوات التي استخدمها الشعراء، وهم يلجون العصر مفتونين بالغرب، يحاولون تقليد إنجازه رامين بقرون من الإنجاز الشعري العربي بدعوى التجديد والحداثة، فكأنهم كانوا يجربون دروبا جديدة، البعض أثرى التجربة، أما في الغالبية العظمى فقد أفقروها ومسخوها ونزعوها عن جذورها ثم لم يتمكّنوا من إنباتها في الأرض الجديدة، هذه كانت أزمة الشعر الخاصة، وهي أزمة غير مرتبطة بما حدث للرواية، التي طلعت على البشر وبهم جوع كبير إلى الحكاية، وراح الروائيون في مختلف الأصقاع يخطون تجارب البشرية ويبادلونها الحوار الذكي الذي تتيحه الرواية دون سواها من صنوف التعبير والإبداع، وبدا كما لو أن العالم قرية صغيرة تسهر على ذات الحكايات، وما أفاد الرواية العربية ولم يجعلها تنهار هو أمر يناقض ما جعل الشعر يتراجع، ذلك أننا ورغم الإدعاءات بأن أصل الرواية غربي، إلا أننا ندرك أن الغرب وعبر الرواية يستند إلى جذور شرقيّة، كلنا نمتح من تلك الحكاية المذهلة التي تتناسل وتتوالد بطرق شتّى “ألف ليلة وليلة” وسواها من التراث الإنساني الشرقي الثري، من هنا لا تحقق الرواية غربة تامة ولا تنفصل عن الإنجاز البشريّ، من هنا تواصل تقدمها وليست معنية بدهس المتعبين الملقين على الطرقات السيارة، لها دربها ولصنوف الإبداع الأخرى دروب.

تنهض بعض الأصوات النقدية متحدّثة – فيما يشبه التراجع – عن زمن قراءة الرواية بدل “زمن الرواية” الذي أطلق قبل سنوات، فرأوا أنّ الزمن هو زمن قراءة الرواية وانحسار مقروئية الشعر، وليس في هذا دليل على تطوّر الرواية أو نضجها من حيث هي جنس أدبي، ما رأيك ؟

دائما تأتي قراءة الإبداع لاحقة على إنتاجه، ربما بزمن طويل، ولن تفلح الحركة النقدية بالإلمام بالحركة الإبداعية الروائية تحديدا، هناك فيض مذهل من التجارب التي تجدّد كل يوم، ويبدو نفس النقد قصيرا وعاجزا عن فهم هذا التلاحق والتطور غير المسبوق، ولا أعتقد أبدا أنّ القراءة تبدأ بعد أن يتوقف الجنس الأدبي عن التطور والنضج، إنه الفن الذي لا يتوقف أبدا، وعلى النقد أن يركض خلفه دائما ودون جدوى للإحاطة ببعض ما يمكن رصده وفهمه ومنهجته، أمّا الفن فسيظلّ طليقا قادرا على التجدّد في كل لحظة، أما في سؤالك عن انحسار مقروئية الشعر، فأظنّ أني سمعت من بعض النقاد وصفا ساخرا للأمر ولكني أعتقده مريرا، إذ يلمّحون بأن أغلبهم يستعملون النظارات الطبية عند القراءة والكتابة، وأن ما تبقّى من نور العيون لا يجوز إهداره بسخيف القول، يقولون أن على الشعراء أن يثبتوا جدارتهم لنشعر بالدافع نحو القراءة مجددا، أظنّ بعضهم في هذا صادقين، وبعضهم يحاولون إخفاء عيب في عدم متابعتهم للساحة الشعرية، وكما قلت تظلّ كل هذه الأمور جزءا من أزمة الشعر، والرواية بريئة مما يحدث.

كيف تقدّمين المشهد الروائي الأردني اليوم ؟ ما هي الأصوات المسموعة فيه والأسماء الفاعلة ؟ هل يمكن الحديث عن خصوصية روائية في الأردن ؟

يسير المشهد الروائي الأردني في حالة من العافية المعقولة، أعني هناك أسماء رسخت تجربتها وقدّمت أعمالا ممتازة، وهناك أسماء تمكّنت من خط طريقها على خريطة الإبداع العربي، هناك مشاريع روائية ينحو أصحابها منحى جادا، والأهم هناك تواصل بالتجربة عبر جيل شاب لديه ما يقوله، لعلّ التجربة الروائية الأردنية نجت من الظل الثقيل للأب الروحي كما في مصر وهيمنة نجيب محفوظ الأمر الذي اقتضى زمنا للخروج من العباءة الفضفاضة، في الأردن كانت الساحة حرة، كان بإمكان المؤثرات العربية والغربية أن توقع أثرها، وكان بإمكان الكتاب أن يقترحوا جديدهم على الساحة دون خشية من النمط المطلوب، لهذا تنوعت النكهات، وتعدّدت الأشكال والتجارب، لعلّ في هذه النقطة خصوصية للرواية الأردنية، أمّا عن الأصوات الفاعلة فأستطيع القول بأنّ تيسير سبول وقد رحل شابا عن رواية واحدة فحسب مازال حيّا عند الحديث عن الرواية الأردنية، ثم جاء جيل مؤنس الرزاز وجمال أبو حمدان وهاشم غرايبه وجمال ناجي وزياد قاسم ورفقة دودين، وفي الشباب هناك تجارب تؤشّر على الغد مثل تجربة محمد سناجلة وعبد السلام العجيلي.

 هل نجت الرواية الأردنية من ثقل المركز الذي يمثّله الفضاء المصري ؟ وهل فعلا مازال هناك مركز وأطراف في ثقافة العولمة اليوم ؟

كما أسلفت لم يكن للروائي الأردني أب يثقل كاهله بالنموذج الواجب، لهذا تمكّن من الانطلاق بصورة عفية لمعانقة مجمل التجربة الروائيّة العربية والعالمية، لم نشعر بالثقل المصري بقدر ما كانت الساحة المصرية تربطنا بالإبداع العربي جسرا ثقافيا حيويا كما حدث ذلك لنا مع الجسور الثقافية العربية المحيطة بنا، بيروت ودمشق وبغداد، كل هذا التوسط في الموقع وأزعم أنه في المزاج أيضا منحنا القدرة على الحراك بصورة أكثر شمولية، ولما اتّسعت آفاق التثاقف العربي انفتحنا على التجربة المغاربية أيضا، ولكن ظلت لمصر تلك النكهة الخاصة، وأستطيع القول اليوم بأن القاهرة مركز من حيث قدرتها كعاصمة على الترويج للكتاب ونشره والعناية به، كذلك في احتضان الكاتب إذا أجاد التعامل معها، لأنّ المركز عادة ما يطرد الأطراف، نعم مازال هناك مركز وأطراف فيما يتعلّق بالترويج والنشر والاقتدار على اختراق الساحات العربية، وأظنّ أنّ بيروت تلعب دورا حيويا ملحوظا، لكن في المحصلة هذا أشبه بالحراك التجاري، أما الحراك الثقافي الذي يعني التأثير في العمق فإنّنا نفتقده، نحن ندور حيرة في تلك الحالة العائمة التي تسمّى العولمة.

هل يقرأ الأردني لأدباء المغرب الغربي وشمال إفريقيا ؟

سؤال موجع، ذلك أن الأردني بشكل عام يكاد لا يقرأ للأردني، هناك إحجام عن القراءة، فقط نخبة ارتضت أن تظل ممسكة بجمر القراءة تواصل قراءة أعمالنا، عندما يطبع الأديب في الأردن ألف نسخة فهذا هو الحد الأعلى، وأعتبر محظوظة بصورة كبيرة لأنّي أعدت طباعة عدد من رواياتي بعد نفاذها، فما بالك بالقراءة لمن هم خارج الساحة، مع ذلك تلك النخبة التي تتابع النتاج الإبداعي العربي تعرّفت على عدد من الكتاب في تونس والمغرب على وجه التحديد، هنا لدينا اعتقاد بأنّ النقد هو سيد الساحة في المغرب العربي، نتابع أعمال النقّاد، ونقرأ لأسماء كرّستها الصحافة العربية ووجدنا في نتاجها ما يقنعنا.

لاحظنا توظيفا خاصا للايروسي في بعض أعمالك الروائية وتحديدا في روايتك “الصحن” ولكن هذا الحضور كان مدروسا وبمقدار، ولم يكن حشوا القصد منه تضخيم حجم الرواية أو التآمر على غريزة القارئ، هذا ما لمسناه، فكيف توضح لنا سميحة خريس علاقتها ككاتبة بكتابة الجسد وتوظيف الجنس في العمل الإبداعي ؟

أتعامل مع الجسد على أنه أهم عناصر الحياة، إنه العنصر الذي يصحبنا في رحلتنا، وهو وعائنا وأداة تعبيرنا، وفوق هذا مستودع سرّنا، بكل هذه الأهمية وهذا الاحترام أنظر إلى ما يخصّ الجسد، وعندما يكون هناك إشكال جنسي فإنّي أشعر بالقداسة التي أفهمها تحيط بالجنس لا لأنّه فعل حفظ للنوع فحسب ولكن كونه فعل المتعة والعتق من المنظومة البشرية إلى مصاف درجات أعلى، ولا أتصور رواية تخلو من الجنس بتاتا، ولكنّي كما لمست لا أستخدم الجنس حشوا نافرا للتآمر على غريزة القارئ، هذا الجانب يسهل التوجّه إليه مباشرة ورشوته، وليس في هذا ما يغريني، أنا أريد أن أحاور القارئ من زوايا أكثر صعوبة، وعندما أستخدم الجنس لا أصور له فيلما للمتعة ولكني أريد استخراج أعماق الإنسان وأوجاعه عبر أحد أهم نشاطاته الحيوية، وليس سرا أن آلية التلقي تختلف بين قارئ وآخر، البعض ورغم المعالجة المدروسة سيستدعي ذاكرته المكبوتة، وهنا لابدّ من قياس التبادل بين ما أكتبه وما يقرأه، لأنّي ببساطة لا أحب أن أصنّف ككاتبة غرائز، ولكن كاتبة تحاول فهم الغرائز حين تكتبها.

ذكّرنا عبق الروائح والعطور في رواية “الصحن” ببعض عوالم رواية “العطر” للألماني باتريك زوسكيند، ونحن نعلم اهتمام الكاتبة بروايات هذا العلم الروائي، هل في ما قرأناه شكلا من أشكال التناصّ أم التأثّر ؟

أذكر أني عندما قرأت العطر ظللت لعام مفتونة بالبناء الروائي، كما نبّهت عندي بحثا خاصا حول الرائحة ودورها في حياتنا، ولا أستطيع الحكم إذا ما كان هناك تأثر أو تناص، فالعمل العظيم ترك أثره على حاسة هامة عندي، ولكني أستطيع القول بأني عندما كتبت “الصحن” كنت أنشد رواية الحواس بكلّ معنى الكلمة، الحواس الخمس، إضافة إلى الحاسة السادسة “الحدس” كنت أبحث عن شكل من أشكال توظيف الحواس، لعبت مطولا على حاسة الشم، كما لعبت على حاسة البصر، هناك ألوان تخاتل القارئ، وتملك دلالاتها، لعلّ في هذا ما يشبه اللوحة التشكيلية، كما لعبت على حاسة السمع، قمت بدمج الحواس كلها في مقطع صغير حين تجسدت الموسيقى ألوانا وروائح، هذا ما شعرته وأنا أخطّ كلماتي وتمنّيت أن يصل إلى القارئ على هذا النحو، ولعلّي عندما لامست الجنس كنت أيضا ألعب على حاسة اللمس، هذا المقطع تحديدا فجّر كل الحواس مضيفا إليها حاسة غامضة لا تتسنّى إلاّ لمجنون في مجتمعاتنا التي تبدو سوية إذا لم نخترق سترها وننظر إلى أعماقها.

هل تعرّضت نصوصك الروائية أو القصصية إلى “لا” الرقابة، أو لحسن الشوابكة، كما تسميها في روايتك خشخاش ؟ وخلافا للسؤال المعتاد سنسألك هل يمكن للمبدع أن يبدع في غياب الرقابة ؟

بداية لا أبيح سرّا إذا قلت أن حسن الشوابكه، هو الاسم الحقيقي للرقيب الذي ناقشني في روايتي “شجرة الفهود” وأصرّ على حذف كلمات منها، لأنّه وبصورة “عشائرية” استكثر على بنت أردنية أن تأتي بكلمات “نابية” في نصّها، لم أفلح في إقناعه، ووقعت تحت سطوته، ثم قمت بذكره في روايتي “خشخاش”، لأنها كما قلت تتناول موضوع الكتابة، ألعب مع الرقابة لعبة القط والفأر، وأنجو بجلدي دائما، ولكن الذي أخافه حقا هو الرقيب في داخلي، هذا أدخل معه في صراع دائم، أما سؤالك ما إذا كان المبدع يستطيع الإبداع في غياب الرقابة يذكرني برأي للنقاد فيصل دراج حين قال، ليس هناك رواية دون ديمقراطية، يا سيدي المبدع قدر لا فرار منه، سيكتب وراء القضبان، أو في الساحات الحرة الحافلة بكل ضروب العدل، حتى في مدينة أفلاطون المشتهاة لا بد للكتابة أن تطرح ثمارها، إنها جزء من حلم الإنسان لصياغة عالم آخر، إذا حضرت الرقابة حفزت المبدع، وأقصد المبدع الحقيقي، لأنّ هناك كائنات كتابية تحجم وتتراجع وتقلم أظافرها وأقلامها سريعا، ولكن الرقابة سيف مسلّط على رقبة مبدع يسعى إلى الشهادة ليكتب أجمل ما عنده، وأتصور بالمقابل أن في غيابها صورة قد تبدو مناقضة ولكني أراها أيضا مجالا للخلق الأجمل، ولكن قل لي هل حقّا غابت الرقابة يوما من ذهن أي كاتب ؟؟

يقول ماري جوزاف شانياي “الله خلق الحرية والإنسان صنع العبودية” كيف تتعاملين مع شخصيات أعمالك، هل تسعين انطلاقا من تجربتك الروائية إلى أن تسقطيها في عبوديتك، فتمارسين عليها ربوبيتك أم تتركيها لعفويتها وتستمتعين بنفسك ربة خلقت كائنات ورقية حرّة ؟ كيف تتعاملين مع الشخصية المتمرّدة، هل تمارسين عليها القمع الذي تكرهين ؟

هذه أسئلة كبيرة حقا، قد تجرفنا إلى قضايا وجودية، ولكن دعني أقول لك، إذا كان الإنسان من صنع عبوديته، فإنّه أيضا من يحلم بحريته ويسعى إليها، يمهرها بالدم أحيانا، لهذا لست ألوم الإنسان وأؤمن بنصفه الشيطاني ونصفه الملائكي، ولكن إذا كنت أنا نفسي أمارس خلقا من نوع ما فإني دائمة الحيرة حول المدى الذي أستطيع فيه التخلّص من آثار قرون من العبودية على روحي كإنسانة، هذا من جانب، من جانب آخر أراني ألجأ للكتابة كنوع من تحرّري وأرى شخوصي تطالبني بإلحاح أن تكون حرّة، عليّ أن أناضل لحريّتي وحريتها، سيكون دائما هناك ذاك العراك الخفي وأنا أكتب، بالطبع سأدعي أني كتبت بكامل حريتي وحررت شخوصي ولكني في الواقع أشك في الأمر وأواصل معركتي علني أنتصر محتلة مساحات أكبر في كتاباتي القادمة، شعرت بأني قطعت شوطا في “الصحن” إذ تصرّفت بشيء من العبثية تجاه الرقباء في الخارج والداخل، تماهيت مع جنون أبطالي، لأني باختصار أعرف أن في حريّتهم حريّتي، لست ربّة مقتدرة أجلس لقصقصة الورق ونفخ الروح فيه، ولكني وشخوصي الورقية أرواح تبحث عن تحرّرها وتقيم ثورة بين غلافين.

رصدنا في بعض رواياتك اشتغالا على التاريخ الأردني، كيف تقرئين التاريخ روائيا ؟ كيف يمكن للروائي أن يقول التاريخ دون السقوط في التأريخ ؟

يلاحقني التاريخ باستفزاز كبير، ذلك أني أكتشف أن المؤرّخين مجموعة من المزورين أما عن غفلة أو قصد، كما يلاحقني التاريخ بكثير من الحنين، يلاحقني كدرس مخيف عن المستقبل الآت، وأعرف أن الروائي لن يكون مؤرخا ولا يريد أن يكون، ولكن هناك رغبة لئيمة في جعل المكتوب روائيا هو الحقيقة الوحيدة لما مر، لقد عالجت في رواياتي “القرمية” فترة حرجة من تاريخ الثورة العربية التي قادت إلى التحرّر من العثمانيين، ولكنها أسفرت عن الوقوع في سايكس بيكو الشهيرة التي قسمت الوطن العربي، كان التحدي كبيرا، هناك وثائق مكتوبة، وهناك شهادات لبشر غيروا وجه التاريخ، ولكني أردت أن أقدّم قراءتي الخاصة للحدث، أن أرفع صوت الدم الذي غيبه المؤرخون والساسة والعسكريون والمستعمرون، بحيث شوّهوا الحلم وجعلوه يبدو مؤامرة دنيئة، أردت أن أعلى صوت الإنسان الحالم بتحرره وصناعة مستقبله، في الواقع خفت أن أقع في فخ التأريخ، لهذا اعتمدت على الفانتازيا معادلا موضوعيا يرفع الوثيقة الرسمية ويقف إلى جوارها ثمّ يتجاوزها إلى الفنّ، لعبة قراءة التاريخ من وجهة نظر الفنّ تمتّعني وقد مارستها في أكثر من عمل، آخرها رواية “دفاتر الطوفان” التي حكت حياة الناس في عمان في الثلاثينات ولكن على لسان الأشياء الصغيرة التي عمرت المدينة وشيّدت الحياة، أعرف أنّ الخيط رفيع وخطر بين قول التاريخ والتأريخ، ولكني على ما يبدو أحبّ السير كالبهلوانات في المكان الصعب.

هل يمكن أن يكون التوظيف بريئا ؟ وكيف يمكن أن ينجو العمل الإبداعي الذي غمسته في التاريخ من خطر الإيديولوجي ؟

لماذا يجب أن يكون توظيف التاريخ بريئا ؟؟ هل تتوقّع أني أكتب في التاريخ عن براءة، مجرد إعجاب أو تسلية !! بالطبع أكتب مصطحبة معي كل أهدافي، وأبغي أن أسجّل هدفا في مرمى الفكرة المسبقة في ذهن القارئ، أريد أن أقود توجهاته لمعرفة جديدة لم يقرأها مسبقا في كتب التاريخ المزورة، وأريد أن أدخل سجالا مع الحقيقة، ولا يمكن أن أقبل بأيّ كتابة بريئة، لا في التاريخ ولا سواه، كما لا أفهم عملا ناجيا من الأيديولوجيا، ذلك أن الأيديولوجيا موقف والكتابة موقف، قد لا أمتلك الأيديولوجيا التي عرفت بمسميات بعينها عبر العمل السياسي والفكري، ولكني وقد ورطت قلمي بأن أسمّي كاتبة، فإنّ من حق القارئ أن يرى ملامح لفكر ما، لموقف تجاه الحياة، أليست هذه أيديولوجيا، ولا يمكن الدخول في النص دون موقف، ولكني أفهم إشارتك للخطر الأيديولوجي في التاريخ، لأنه وعبر هذه البوابة المطاطة مرت الأكاذيب وحوّلت الهزائم إلى انتصارات، أفهم ما تذهب إليه وأقود نفسي إلى الإخلاص لكل ما يمثّل القيم الإنسانيّة بعيدا عن الخندقة المقيتة.

 كيف تضعين عملك ؟ هل تضعين مخططا لروايتك قبل الشروع في تبييضها ؟ هل تنجحين في الالتزام دائما بالمخطط ؟

يختلف الأمر من رواية لأخرى، عندما أكتب رواية تعيد قراءة التاريخ، أضع مخططا وأضبط الأحداث والأرقام، وأستعين بالوسائل المساعدة، وكثيرا ما ينفلت النص على المخطط، لكني عندما أكتب رواية مثل خشخاش أو الصحن أترك للتداعي الحر أن يأخذ مجراه، ثم أنظم النص في مخطط، تبدأ الحرفة بعد انثيال النصّ كاملا، لذلك أقول لكل رواية خصوصية في معمارها، لا يمكن للكاتب أن ينتهي إلى أسلوب واحد يتبعه، العمل حي بين يديه يختار وسائله أيضا.

يقول عبد الرحمن منيف “لابدّ أن تقرأ الأجيال القادمة التاريخ الذي نعيشه الآن وغدا، ليس من كتب التاريخ المصقولة وإنما من روايات هذا الجيل والأجيال القادمة”. أيّهما أصدق عندك الرواية أم التاريخ ؟

التاريخ لا يكذب ولكن من يدوّنونه يفعلون، أما الرواية فيظلّ لها سحرها، فما هو مرفوض في كذب المؤرخ محبوب في كذب الروائي، أتذكر أن ماركيز تحدّث في حوار له عمّا كتبه حول ثورة الموز في أمريكا اللاتينية، فأشار إلى أنه أراد تسجيل أحداث عنف وقعت في قطار وعندما سأل عن أعداد من ماتوا في القطار تبيّن أنهم ثلاثين رجلا، لم يعجب الرقم خيال الروائي، فدونه في رواياته ثلاث آلاف، ليفاجئ بعد ذلك بسنوات أن الصحافة تتناول الحدث معتمدة على الرقم الذي قرّره، كذلك يفعل الدارسون الرصينون والمناهج المدرسية، فكأن الخيال الكاذب لماركيز لاقى هوى لدى العامة والخاصة ليصير هو الصدق بعينه، من هنا أدرك خطورة العمل الروائي الآن، خاصة ونحن نشهد تغيرات درامية تستهدف ثوابت فكرية ونضالية، كما تستهدف هويتنا، أشعر أحيانا أن الروائيين هم الحائط الوحيد الذي سيبقى في وجه التداعي والانهيار الذي نشهده، نحن شهود عصر، وضمائر علينا أن نحرص على أن تبقى حية ليس لأنّ القارئ سيطّلع على الحقيقة في الغد عبرنا، ولكن لأنه سيلمس معنا وبنا كل ما تتعرض له الأمة من مهانة وتضييع، لا بدّ أن نشكّل قاعدة قوية من الذاكرة والانتماء تمنع البشر من أن يتحولوا إلى ريش مبثوث في مهب الريح، كأننا نحمل الأمانة، للقادمين.

* عن موقع بيت الخيال. 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top