كيف شوهت يد الاحتلال مدينة يافا؟
المدينة القديمة في يافا. تصوير توماس كويكس. أ ف ب

كيف شوهت يد الاحتلال مدينة يافا؟

عمان – تنوير

مارك لافين، ترجمة ريما العيسى

 

مقدمة المترجمة

لقد جرى تشويه المشهد البيئيّ والعمرانيّ الفلسطينيّ على يد الصهيونية قبل قيام «إسرائيل»، عبر «التخطيط العمراني الممنهج لتهويد الفضاء الذي هو في قلب النظام الإسرائيلي الإثني-القومي». حيث سعت الصهيونية منذ البدايات إلى الاستيلاء على الأرض عبر الاحتلال والاستيطان الكولونيالي، وتدمير القرى والبلدات الفلسطينية وإفراغها من سكانها بالطرد والترحيل والتشريد، وسنّ القوانين التي تشرعن استملاكها وتهويدها للأرض، إلى جانب المخططات الرامية عبر الرقابة والفصل العنصري للسيطرة على الجسد والفضاء الفلسطيني، ومحو وإعادة كتابة التاريخ الفلسطيني، واستملاك الفضاء الثقافي والفني والعمراني وإعادة تشكيله، بل وتهويده، وطمس الهوية الفلسطينية وحتى تقمصها في أحيان كثيرة.

إن العمليات العمرانية والديناميات المكانية (الحيزية) لا تتم في فراغ، بل هي الواقع الملموس الذي يشكّل ويتشكّل من خلاله الخطاب السياسي الأوسع. وقد «تغيرت استراتيجيات التخطيط الرسمية بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948 بصورة جذرية، فيما يتعلق بالمدن التي تم غزوها والسيطرة عليها مثل: يافا وعكا والرملة. وخاصة فيما يتعلق بأيديولوجية الإقصاء والفصل العنصري التي اتبعت سابقًا بين المناطق العربية واليهودية، وتم استبدالها بين ليلة وضحاها برغبة محمومة، ليس فقط باسترداد هذه المدن لدولة إسرائيل، لا بل وإخضاعها لعملية تهويد مكثّفة».

وقد بات التخطيط المدينيّ الحاليّ في ما يسمى بالمدن المختلطة، مثل يافا واللد والرملة، يركّز على تضمين المنعزلات الفلسطينية داخل الحدود المتروبوليتانية الأوسع للمدن اليهودية، مع استمرار عزلها كجيتوات أو معازل عمرانية، «فالتضمين هو مجرد خطوة استراتيجية في هذا السياق تتيح للجان تخطيط المدن الإسرائيلية والمجالس البلدية استخدام قوانين تخطيط المدن والعمران الرشيد لممارسة السيطرة على الفلسطينيين الذين ما زالوا يقيمون في إسرائيل».

وقد «باتت يافا اليوم مثل غالبية المدن الفلسطينية، بلا إشارات عربية لأسماء الشوارع، حيث استبدلت بأسمائها العربية أسماء عبرية تحمل معان صهيونية، مثل البالماخ والهاجاناة وهرتزل، إلخ، بهدف محو الماضي، وإرساء الوقائع الجديدة باستخدام أسماء مجموعات وقادة صهاينة، كانوا مسؤولين عن التطهير العرقي في فلسطين».

كما تشهد يافا في الوقت الحاضر حالة من الغليان الفلسطيني ترتبط بمحاولة تجريف مقبرة الإسعاف بجانب جامع حسن بيك، وذلك بحجة إقامة مشروع سكنيّ للمشردين، تراجعت البلدية عنه نتيجة صمود أهالي يافا. وتتوالى محاولات استهداف المقابر وممتلكات الأوقاف الإسلامية في يافا وغيرها من المدن من أجل إقامة مشاريع تجارية سكنية. وقد هاجمت حشود من اليهود جامع حسن بك نفسه عام 2001 وحاولت اقتحامه وتخريبه. فالمقدس المهمش يشكل حيزًا مضادًا ومتحديًا للقوة المهيمنة ويمنح معنى رمزيًا للفضاء.

لذلك فإن «النضال من أجل فضاء بعينه، وتبديل التغيرات المكانية (الحيزية) في الحدود الاجتماعية المكانية لمكانٍ ما، هو في صلب سياسات الهوية. فصراع (مقاومة) جماعة خاضعة حول مكان معيّن، هو موضَعةٌ (تحييز) لصراعات الهوية وبناء للهوية في آن معًا حول غرضٍ محدد». فمن خلال خلق أحياز بديلة، أو قراءات بديلة للحيز ذاته، يستطيع الشعب تحدي تأثيرات السيطرة والقوة في حياته اليومية، والتخفيف منها، أو أحيانًا التغلب عليها. فالقوة هي قدرة المرء على خلق شروط لوجوده أو وجودها دون أن يخضع لاستغلال الآخرين.

النص التالي هو ترجمة لدراسة قام بها مارك لافين عن يافا ونشرت عام 1999، تبين كيف يتم استملاك الفضاء العمراني في المدينة، الذي ما زال قائمًا حتى اليوم، تحت عنوان: من عروس البحر إلى ديزني لاند: دور العمارة في الصراع حول «الجوار العربي» لتل أبيب.

مقدمة: يافا وتل أبيب بعد حرب 1948

قسَّم القرار رقم 171 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 فلسطين إلى دولتين: واحدة يهودية والأُخرى عربية. ورغم أنَّ مدينة يافا كانت مطوّقة بتل أبيب وغيرها من البلدات اليهودية ضمن نطاق الدولة اليهودية المقترحة، إلا أنها نظرًا لأكثريتها العربية ومكانتها كعاصمة ثقافية واقتصادية لفلسطين العربية –«عروس ساحلها»– فقد ضُمت إلى أراضي الدولة العربية.

وقد جرى تدمير كامل القرى العربية وعددها 26 قرية في محيط قضاء يافا في نهاية الحرب؛ «وانهارت مدينة يافا بكاملها»، بعد أن خسرت 90% من سكانها العرب الذين بلغ تعدادهم 70 ألف نسمة قبل الحرب. لكن بحسب رئيس الوزراء بن غوريون، سيعاد توطين يافا كاملةً باليهود بحيث: «تصبح يافا مدينة يهودية (..) فالحرب هي الحرب». وقد [توحدت] يافا مع تل أبيب رسميًا في 24 نيسان 1950.

بحسب أقوال أحد المعماريين المشاركين في احتلال قرية سلمة الواقعة في الجوار، فقد «قررت البلدية منذ البدء محو سلمة التاريخية وبناء منازل جديدة كليًا مكانها»، حيث مثَّل خطاب «المحو وإعادة الكتابة» –وهو أحد القوى الموجهة للتخطيط الحداثي– موضوعة رئيسة في تخطيط وعمارة تل أبيب. وقد شكَّل هذا المحو للوجود العربي القائم شرطًا مسبقًا من أجل تطوير تل أبيب وبقائها الرمزيّ والماديّ، فضلًا عن منحه تبريرًا توراتيًا، بحيث يطالع زوار متحف تل أبيب الواقع في منزل مائير ديزنغوف –أول رئيس بلدية لتل أبيب– مقطعًا من عاموس: «سأردُّ سبي شعبي إسرائيل فيبنون مدنا خربة ويسكنون (..)».

الوظائف الرمزية لتل أبيب ويافا

لطالما كانت الوظائف الرمزية والخطابية لتل أبيب ويافا على قدر من الأهمية داخل المشروع الصهيوني، تمامًا كالوظائف السياسية والاقتصادية، ما أثَّر إلى حد كبير في الوضع السياسي- الاقتصادي الحالي ليافا كما وُصف أعلاه. فقد جرى منذ البدء مقارنة تل أبيب «الحديثة» و«النظيفة» و«المخططة جيدًا»، بيافا «المتخلفة»، «القذرة» و«معدومة التخطيط». كما أقدمت منشورات أمريكية وأوروبية أخرى بمقارنة تل أبيب «العلمانية» و«الطبيعية» و«الكوزموبوليتانية» و«المترفة بشكل صارخ» و«الحديثة» علاوةً على ذلك، بالقدس «المقدسة» و«غير الطبيعية»؛ فـ«من المستحسن للزائر الراغب بمشاهدة كل ما هي عليه دولة إسرائيل ذات الـ50 عامًا، أن يغوص في الحاضرة السوية، ظاهرة العلمانية وكليّة الحداثة الواقعة على أكتاف البحر، حيث كانت الكثبان الرملية في الماضي»، وكأنَّ القدس وما تمثله من صراع يبدو لامتناه هو في الواقع سراب في «الصحراء» التي تم استيهام تل أبيب عليها، ومن ثم بنائها. وفي توجه مشابه، عنونت رئيسة المعماريين في تل أبيب كتابها الأخير حول أسلوب العمارة العالمي في تل أبيب بعنوان: بيوت من الرمال.

لا يبدو مستغربا أنَّ المحو الخطابي المتمثل برمزية الرمال، وتبديل أسماء الشوارع قد استمر حتى يومنا هذا: فكما فسرت مجلة الإيكونوموست في مقارنتها بين القدس وتل أبيب؛ «بخلاف القدس، بالكاد تحتوي تل أبيب على عرب. حيث ابتلعت تل أبيب ميناء يافا العربي القديم، إلا أنها بُنيت بمجملها بأيدٍ يهودية، ومن أجل اليهود، فوق كثبان من الرمال، وليس على أنقاض بيوت الآخرين».

التخيّل التل أبيبي ليافا

لقد كان لمثل هذه التمثيلات الدقيقة لأسطورة خلق تل أبيب في الإعلام الغربي تأثير عميق على كيفية تصور يافا من قبل الكتاب الإسرائيليين والأجانب في غضون الـ90 عامًا الماضية، حيث بقي مشهد يافا منذ ميلاد تل أبيب مركزيّ في تعريف الذات التل أبيبية لنفسها ولـ«الآخر» كذلك. فإذا كان محو العرب قد تم خطابيًا (وفي النهاية فعليًا) من تل أبيب، فإنَّ العملية كانت أشد تصميمًا فيما يتعلق بيافا، بحيث أُطِّر تخيّل يافا ضمن تصويرين معاصرين، أحدهما سلبي والآخر جذاب و«مستعاد بعداء مستفز».

جرى منذ البدء مقارنة تل أبيب «الحديثة» و«النظيفة» و«المخططة جيدًا»، بيافا «المتخلفة»، «القذرة» و«معدومة التخطيط».

إذ جرى تخيّل يافا من ناحية -وما يزال-، على أنها فقيرة ومعدمة ومعقل للجريمة. وقد شكَّل الحي منذ الستينيات موقعًا للعديد من أفلام وبرامج التلفاز عن الحرب والجريمة،وذلك لكونها «تشبه بيروت بعد القصف، من حيث الشوارع المقفرة، والبيوت المتهاوية، والطرقات القذرة المهملة، والسيارات المهشمة». وتعززت هذه الصورة من خلال تصوير الإعلام والحكومة أساسًا، علاوة على واقع كون الحي مركزًا رئيسًا للاتجار بالمخدرات في منطقة تل أبيب المتروبوليتانية.

أما الصورة الأخرى ليافا والتي استهدفت الاستهلاك السياحي خصيصًا، فهي مبنية على كون المدينة «قديمة» و«رومانسية» و«ساحرة» و«جذابة». إنَّ «يافا القديمة (..) هي دُرَّة تل أبيب»، كما يصفها كتيِّب رسمي.وهكذا ترتبط مثل هذه الأوصاف ليافا بإعادة تخيّلها كفضاء تاريخي يهودي، فضاء «محرَّر من أيدي العرب»، كما تبين كتيِّبات المتاحف والآثار لزوارها.

ترتبط هذه التصورات ليافا بمكانتها كموقع تاريخي وأثريّ وسياحي داخل نطاق تل أبيب: حيث تصور «يافا القديمة» باعتبارها «إحدى أقدم مدن العالم؛ وميناء بحري يعود إلى 4000 عام. كما أنَّ يافا مصدر جذب رئيس للسياحة، بتوليفها المثير الذي يجمع القديم بالجديد، صالات فنية، وتسوق رائع (..) لقد أوليت عناية خاصة لتطوير يافا القديمة كمركز ثقافي وتاريخي (..)».

وفي الواقع، فإنّ «مدينة الرمال» (كما عُرِفت تل أبيب طويلًا)، والتي جرى تخيّلها دون ماضٍ أو تاريخ، قد استدعت وجود يافا لاكتمال هويتها: «فحين أصبحت تل أبيب تل أبيب-يافو (يافا بالعبرية)، استحوذت المدينة الفتية لنفسها بالحال على ماضٍ هو 3000 عام من يافا القديمة (..) وباتت جاهزة للقفزة الأمامية الهائلة التي حولتها إلى حاضرة كوزموبوليتانية. بينما نالت يافو (..) إحدى أقدم مدن العالم، مستقبلًا وشبابًا متجددًا، بتطور واسع الانتشار يتدفق نحوها من جارتها الفتية».

يافا كما تخيلها سكانها العرب، حاضرًا وماضيًا

ليس من المستغرب احتجاج اليافيين على ما غدت عليه مدينتهم منذ عام 1948،أي ليس أكثر من مجرد «هامش على اسم تل أبيب»، سيما وأنَّ يافا قبل 1948 قد اعتبرت «دُرَّة» فلسطين العربية؛ ولطالما صُوِّرت في الصحافة الفلسطينية على أنها أهمُّ وأجمل مدينة عربية في فلسطين. فبحسب وصف جريدة فلسطين، «لا أحد يشك بأنَّ يافا أعظم مدينة عربية في فلسطين، ومن المحتوم أن يتوقف الزائر إلى فلسطين بيافا لمشاهدة نموذج المدن الفلسطينية»، حيث كانت يافا رمزًا ومثالًا للمشهد الحضري الفلسطيني.

غير أنَّ محو يافا قد جرى تقبُّله من جانب كثير من اليافيين في الشتات –وبخاصة أولئك الذين عادوا لزيارة المدينة في السنوات الأخيرة– وقد باتوا يعتبرون يافا الحاضرة «من اختلاق المخيلة».حتى أنَّ الأمر وصل إلى إحلال تل أبيب مكان يافا في مخيلة البعض؛ فحين سَأل أحد منسقي بعثة للسلام البعض في نابلس الخاضعة للسلطة الفلسطينية عن رؤاهم للسلام، أجابه أحد الفنانين الفلسطينيين «زيارة تل أبيب ومشاهدة الغروب».

أما على الصعيد الآخر، فقد ازداد التصاق سكان يافا العرب بمدينتهم بشكل ملحوظ في العقدين الأخيرين؛ تماشيًا مع التوجه المتزايد نوعًا ما لفَلَسْطَنَة العرب في إسرائيل في أعقاب توحيد كافة فلسطين الانتدابية بعد حرب الأيام الستة، واندلاع الانتفاضة عام 1987.إلا أنَّ إعادة التصوُّر الوطني للهوية العربية في إسرائيل قد أضفى أهمية كبيرة أيضًا على مسألة المناطقية.حيث جرت العديد من الاحتجاجات العنيفة في يافا العربية خلال التسعينات، حتى أنَّ قادة التجمع العربي قد طالبوا مؤخرًا ببلدية مستقلة ليافا، وهو مطلب نال شيئًا من الدعم بين سكان يافا من اليهود، الذين اعتبروا أنفسهم مستثنون أيضًا من مخططات البلدية بشأن الحي.

وهكذا ردًا على محاولات بلدية تل أبيب المتكررة لطرد العرب المقيمين في المدينة منذ القدم، هدد قادة التجمع بـ «انتفاضة في الشوارع (..) معلنين بصوت عالٍ أننا مزروعون هنا ولن يتمكنوا من اقتلاعنا من منازلنا كما اقتلعوا أشجار البرتقال والزيتون». إنَّ مثل هذا التركيز على التجذُّر مغروسٌ عميقًا في النفس اليافية والفلسطينية، كما تدلل على ذلك لوحة سهير ريفي الفنانة اليافية الشابة والتي عرضت في كرنفال فني أقيم في يافا العام الماضي، أي عام [1998]، حيث تُصَوِّر أُمّا تُرضع طفلها، فيما ترتبط جذورها الضاربة بالأرض ببيت متهدم.

العولمة، العمارة، وتخطيط تل أبيب-يافو

لقد أثَّرت مواصفات التخيّل اليهودي والعربي المعاصر ليافا على الطريقة التي اختبرت فيها منطقة يافا-تل أبيب مؤثرات العولمة ومحاولات قادة إسرائيل، وقادة تل أبيب على وجه الخصوص، تحويل تل أبيب إلى مدينة «معولمة» أو عالمية. وقد فُهِم اندفاع قادة المدينة نحو «عولمة» تل أبيب على أنه جزء من رغبتهم المتزايدة بتشكيل ونشر هوية متفردة ومنفصلة عن باقي البلاد، وعن القدس على وجه الخصوص. ما دفع بالمخططين والمعماريين والمعلقين للتسائل «عمّا سيفعلوه بمدينة عالمية مغايرة ومختلفة عن سائر البلاد التي تقع فيها».

العمارة والتخطيط في تل أبيب ويافا في الثمانينيات والتسعينيات

ليس من المستغرب أن تتفادى الكثير من أدبيات التخطيط الإسرائيلية أي سجال عن الأقلية العربية قد يعكر صفو الفرضيات اللاسياسية المبنية عليها، مركزة عوضًا عن ذلك على التخطيط من حيث كونه «نشاط يستهدف التغيير» وذلك من أجل «صرف الأنظار بعيدًا عن الوثيقة –الخطة–، نحو العملية السياسية التي تُتَرْجَم النوايا بحسبها إلى أفعال».إذ نطالع في هذا السياق، وفي أحدث المجلدات المحررة حول التخطيط في تل أبيب، فصلًا عن «إدارة الصراع في التخطيط العمراني الحضري في تل أبيب-يافو»، ويتألف من دراسة حالة تتناول مواقف وباحات تحت الأرض للسيارات العائدة للمتاجر في قلب تل أبيب.

إلا أنَّ الوثائق، أو نصوص التخطيط على وجه الدقة، هي الأكثر كشفًا وإثارة للاهتمام، وخاصة عندما يتموضع مثل هذا التخطيط في مناطق «حدودية». فليس من الضروري، كما يبيِّن أُورين يفتاحئيل، أن تكون التخوم أو «الحدود» قومية/عالمية، أو أن تقع في مناطق غير مكتظة بالسكان. بل يمكنها أن تكون «داخلية» (خاصة في مرحلة ما بعد استقلال الحركات الكولونيالية الاستعمارية الاستيطانية كإسرائيل مثلًا) وضمن نطاق المدن أيضًا؛ وأن تكون خطابية/ معرفية إضافة لكونها قانونية/ إدارية. يُعرِّف يفتاحئيل الحدود على أنها «كيان ثقافي، وسياسي، وجغرافي مستنبط»، فيما يُعرِّف الحدود الداخلية على أنها «منطقة بداخل دولة تُشكِّل فيها أقلية عرقية الأكثرية، بحيث تحاول الدولة وتسعى لبسط وتوسيع سيطرتها على الأرض والسكان».

إذا كان محو العرب قد تم خطابيًا (وفي النهاية فعليًا) من تل أبيب، فإنَّ العملية كانت أشد تصميمًا فيما يتعلق بيافا، بحيث أُطِّر تخيّل يافا ضمن تصويرين معاصرين، أحدهما سلبي والآخر جذاب و«مستعاد بعداء مستفز».

كما يجوز «استخدام السياسات الفضائية ضمن المناطق الحدودية، كوسيلة نافذة لبسط السيطرة المناطقية على الأقليات (..) وأما على المستوى العمراني الحضري، فتستطيع السلطات ذات الأكثرية المسيطرة أن تمارس أشكالا (أكثر حذقًا ومهارة) للسيطرة الحيزية، وذلك من خلال استخدام الأراضي وسياسات الإسكان، فتخلق فصلًا بين المجموعات الاجتماعية». ويتضح هذا بشكل سافر من خلال سحب الحكومة «لكافة السلطات تقريبًا من أيدي المجتمعات السكانية العربية المحلية لتنوب عنهم بالتخطيط والتطوير».

يجب أن يهدف تحليل السياسات في منطقة يافا-تل أبيب إلى توضيح شبكة العلاقات المعقدة بين المنظمات والهيئات الحكومية، وشبه الحكومية، والحكومية الوهمية المتحكمة بنظام التخطيط في إسرائيل. حيث تشير أعداد المؤسسات العاملة وعلاقاتها المعقدة، إلى كون التخطيط -برغم الادعاءات بعكس ذلك- أيديولوجي ومُسيَّس إلى حد بعيد. لكن جديد هذه المعادلة هو الدور الهام والمتصاعد للقطاع الخاص في التخطيط والتطوير في إسرائيل، وفي يافا على وجه الخصوص؛ وعلاقات العمل الوثيقة التي تربطه بالحكومة.

فمن زاوية عمليات التحسين والتجديد، والأيديولوجية المؤسسة لها، استهل في تل أبيب ويافا في بدايات الثمانينيات جيل ثالث من الجهود «التجديدية»، بذريعة «إحياء المنطقة كفضاء للسكن وسط مركز المدينة، وذلك عبر اجتذاب فئة الشباب تحديدًا»، وقد تمثل في أحياء وجادات نيفيه تسيديك وليف تل أبيب القديمتين، نظرًا لتميُّز الحيين بعمارة جعلتهما هدفًا للتجديد، سيما وأنَّ ليف تل أبيب قد خضعت لإعادة بناء مكثف في فترة الثلاثينيات من القرن الماضي، أبرزت نمط البناء العالمي الذي أُضفيَ عليها وأتاحت وضع تل أبيب على الخارطة المعمارية العالمية. فيما تميَّزت نيفيه تسيديك بأبنية أقدم جعلتها مصيدة لجمهور بوهيمي يسعى للإفلات من صرامة العمارة الحداثوية، المثقلة بالأيديولوجيا، والولع الفَتَشي بالاستهلاك ما بعد الحداثي.

وقد جرى التعبير عن هذا معماريًا عبر تقديرٍ وإعجابٍ متجدد بأسلوب بناء المدينة القديم، والذي يمكن تأويله كجزء من التوجه العام في «العمارة ما بعد الحداثية»، في ردَّة فعلها على القطيعة الكاملة للحداثة مع الماضي، وذلك عبر توظيفها نوعًا من «التاريخانية؛ والاقتباس التاريخي؛ عمارة ذاكرة وأنصاب (..) تبحث عن «الشخصية» والملامح المتفردة، والمرجعيات البصرية».كما يمكن تعليله بذات الدرجة من الأهمية على أنه جزء من عملية باتت العمارة فيها، والفن عمومًا «سلعة (..) تُقدَّم بحسب أذواق المستهلك».

وفي هذا السياق، يُفهم «تجديد» أحياء مثل نيفيه تسيديك على أفضل وجه -ليس من منطلق «الحفاظ» على الماضي، وإنما «إعادة كتابته أو اختلاقه»، بحيث «تُرمَّم» و«تُجدَّد» المباني والأحياء أو «يعاد تأهيلها بالسكان» كي تنسجم مع الرؤى المثالية، أو مشهديات الماضي؛ وكي تلبي الاحتياجات والأذواق المعاصرة باستدخالها التقنيات والتصاميم الحديثة. وفي حال اعتبرنا يافا «منطقة حدودية»، تتكشف «السياسات الحيزية» التي تتبعها البلدية بوضوح سافر كأداة نفوذ –على غرار قوة الخطاب الاستشراقي كما يصفه سعيد– وذلك في مسعى لفرض سيطرة مناطقية على هذا الفضاء الخطابي علاوة على المادي، وتشكيله على الأرض.

كان يتحتم فعليًا تفريغ يافا من ماضيها العربي، ومن سكانها العرب، كيما يتمكن المعماريون من إعادة تصور وتخيل المنطقة كـ«مدينة شرق أوسطية نموذجية»، ومن ثم تشييد أبنية/مساكن جديدة مقامة على أساسٍ من هذا الفضاء المتخيل.

في الواقع، إذا كانت تل أبيب قد غدت «مأساة» على الصعيد المعماري، لكون المعماريين يتوجسون من البناء تخيّليًا هناك، فقد أضحت يافا الفضاء الذي أُطلِق فيه العنان لسيادة المخيلة، وذلك بالرغم من بقائها تحت إشراف الحكومة. حيث أدركت الحكومة بعدما أصبحت «المنظرانية» هي النمط المعماري الدارج، بأنَّ «الأحياء العربية الخربة القديمة تحمل إمكانيات ودلالات «استشراقية»». فباتت مشاريع إعادة الإسكان التي لا تحصى خلال العقدين الماضيين توظف مساعيها في توسيع التجارة والسياحة والفنادق تماشيًا مع «الشخصية المميزة» للمنطقة. وبدقة أكثر، بات «الشعار اليوم «التحسين أو التجديد!» فعندما تتوفر الأرض، تُباع بناء على شروط متشددة لا يتحملها إلا الأثرياء». وهكذا، أصبح البناء بالأقواس هو النمط الشائع والمتداول بين المعماريين اليهود المتمرسين في يافا؛ «آلاف الأقواس بالجملة»؛ بناء على وصف أحد نقاد العمارة.

وقد جرى التعبير عن حصيلة هذه العملية بحسب المعماري يتسحاق لير، في «المحو الممنهج لهوية يافا كمدينة عربية»، حيث غدت اللمسة «الاستشراقية» في أنماط وأساليب البناء السائدة حاليًا مفارقة ومدعاة للسخرية؛ غير أنه كان يتحتم فعليًا تفريغ يافا من ماضيها العربي، ومن سكانها العرب، كيما يتمكن المعماريون من إعادة تصور وتخيل المنطقة كـ«مدينة شرق أوسطية نموذجية»، ومن ثم تشييد أبنية/مساكن جديدة مقامة على أساسٍ من هذا الفضاء المتخيل، «متناسين وغافلين عن حقيقة أنَّ مثل هذه المدينة لم تتواجد قط إلا في نظرة المعماريين إلى العالم».

وفي هذا السياق، يوضح بيتر كوك لماذا لا يمكن أن تؤخذ المحاولات المعاصرة لـ«الحفاظ» على يافا، بشكلها وقيمتها الظاهرية: «ليس هذا «حفاظٌ»، بل هو ديزني لاند. فالمدينة القديمة والمشاريع الجديدة التي تسعى للحفاظ على العمارة العربية ليست إلا تقليدًا رخيصًا، زخرفيًّا على الأكثر، ومصممًا للسياح (..) إنه من أجل الترفيه أو التسلية، فلم لا؟»

السياحة ونظام السوق الجديد

بما أنَّ الاقتصاد العالمي والعملية السلمية قد تداعيتا، فقد بات مفتاح النمو الاقتصادي المستمر في البلاد -بحسب وزير المالية الإسرائيلي- هو سوق العقار، ومركزه حاضرة تل أبيب الكوزموبوليتانية. ولهذا مضامين واضحة على جهود «التحديث» الجارية في يافا، حيث لا تمتلك البلدية سوى القليل من الحرية أو الحوافز كي توْدع الموارد الزهيدة في إعادة تأهيل مجتمع أقلية فقيرٍ يرابط على أرض قيِّمةٍ ثمينةٍ، يُعتبر تسويقها جوهريًا من أجل ازدهار اقتصاد البلاد.

وقد برز تأثير خطاب السوق جليًا في التخطيط الحالي ليافا. حيث جاءت ردود كبار المسؤولين في المدينة ردًا على شكاوى المجتمع اليافي من عجز الكثير من الأزواج العرب من الشباب على تحمل نفقات الإقامة في يافا، مُفسِرة بأنَّ: «السوق هو السوق»،ومُقِرَّة بأنَّ «بيع بعض الشقق بأسعار أدنى سيضر بالأرباح». أما حين يُسمح بالبناء الجديد، فإنه غالبًا ما يقام على أسطح الأبنية القائمة، وذلك من أجل استبقاء أكبر قدر ممكن من الأرض الفارغة والمساحات المفتوحة للتطوير.

أضف إلى ذلك، أنه قد تم منذ منتصف التسعينات، خصخصة العديد من الهيئات المسؤولة مباشرة عن إعادة تأهيل وإعمار يافا من أجل السكان العرب، حيث كان ما يقارب 90% من الوحدات السكنية في يافا، مملوك جزئيًا من قبل الحكومة، حتى ذلك الحين، فيما كان جزء كبير من العقار في قبضة الشركات شبه الحكومية مثل شركتي عميدار وهلميش. إلا أنه جرى لاحقًا نقل مسؤولية العديد من المشاريع الرئيسية إلى مطورين من القطاع الخاص.

من أهم هذه المشاريع ميناء يافا، (وهو موطن لصناعة الأسماك التي تعيل 250 عائلة)، حيث يسعى التخطيط الحديث إلى بناء منازل فخمة، وفنادق تحتوي على ما يقارب أربع آلاف شقة، بهدف «إحياء وتطوير ميناء يافا القديم كمنطقة للسياحة والاستجمام والرياضة البحرية».يشرح دليل تل أبيب-يافا الرسمي الصادر عن وزارة السياحة في قسمه حول يافا، أنَّ «المدينة القديمة اليوم حيّة، وقد رُمِّمت أبنيتها وأزقتها وسط شوارع مفروشة بالحصى، وحدائق خضراء، تمامًا كمستعمرة فنانين مزدهرة (..) وقد أُوليت عناية حثيثة لتطوير يافا القديمة كمركز ثقافي وتاريخي في الوقت الذي جرى فيه الحفاظ على نكهتها المتوسطية، حيث تستكين المواقع الأثرية ضمن حدائق وساحات صغيرة، وتنتشر المتاحف. (..) وقد تم إنشاء مارينا يافا في قلب الميناء القديم (..) والمارينا [جزء من مشروع تطويري بحسب الكاتب]، يوفر كلّ ما يطمح إليه البحّار؛ أرصفة حديثة بمرافق آمنة واتصالات وخدمات فعالة ومواتية (..) ودخول مريح إلى كافة أنحاء إسرائيل، أرض التوراة. قم بزيارة يافا القديمة في أي وقت تشاء، في وضح النهار أو تحت ضوء النجوم، إنها «دُرَّة» تل أبيب».

وهنالك مشروع آخر هو «مشروع شيكوم (إعادة التأهيل)»، الذي صمم زعمًا «لتطوير وإعمار» يافا ( إلى جانب أحياء وتجمعات مهملة وفقيرة أخرى في إسرائيل). وقد أحاله رئيس بلدية تل أبيب إلى يورام غاديش، وهو مطور من القطاع الخاص وذلك عام 1996. ولكن عندما دفع سوء الإدارة والمعارضة المحلية المنسقة الحكومة والبلدية لإنهاء عقد غاديش، جرت إحالته إلى شركة خاصة جديدة يرأسها رئيس بلدية تل أبيب الأسبق شلومو لاهط، وذلك من أجل مواصلة مسيرة تحسين وتجديد الحي.وهنا نجد أنَّ العلاقة التي تربط بلدية تل أبيب بمَعْلم تاريخي وسياحي مأهول بالعرب؛ وشركة تطوير خاصة يرأسها رئيس بلدية أسبق؛ تتطابق تمامًا والوضع في القدس الشرقية إزاء مشروع «مدينة داوود»، الذي يرأسه تيدي كوليك، رئيس بلدية القدس الأسبق.

وقد كشف ممثلون عن شركة غاديش في مقابلة مع المؤلف -وذلك في غضون توليها لمشروع شيكوم– عن الفكر المؤسس لمشروعي كل من يافا والقدس، علاوة على الخطاب المهيمن على التخطيط الإسرائيلي على جانبي الخط الأخضر. فبالنسبة لغاديش، كان هدف المشروع «تطوير يافا ذلك لأنَّ يافا ليست متطورة (..) أي بمعنى تطوير البنى التحتية والمجاري والشوارع والمدارس إلخ، وتطوير الأراضي الفارغة في يافا. إننا نرغب بقلب وتثوير يافا، وذلك بتحويل يافا من حيٍّ يعج بالمشاكل إلى مدينة سياحية، حيث يوجد طاقات كبيرة لتطويرها نحو الهدف المنشود (..) لكنك تحتاج إلى خطة؛ ومثل نيويورك أو أي مكان آخر، يتطلب الأمر أحيانًا أن تهدم عمارة كجزء من التطوير في سبيل الاحتياجات العامة؛ ونحن نعمل مع لجنة من المعماريين والبلدية (..) لكن، هنالك سكان يرغبون بالإبقاء على الوضع القائم كما هو، حيث أنَّ التطوير سيرفع الأسعار، ولن يتمكن أبنائهم حينها من الإقامة في المدينة وشراء الشقق فيها؛ كما لا يرغب العرب بالذهاب إلى مدن أخرى مثل بات يام وهرتسليا حيث يصعب حصولهم على الخدمات في تلك الأماكن. إلا أنَّ بإمكانهم الذهاب إلى اللد والرملة، سوى أنهم ليسوا مستعدين للذهاب ولا يرغبون بالتطوير (..) أمَّا مع اليهود فستصبح [يافا] أكثر جمالًا وتطورًا».

مشروع تلة أندروميدا

إنَّ المثال النموذجي لتقاطع الخطاب المعماري ما بعد الحداثي المعولم والجديد والمبني على السوق في يافا، مع التخييل الصهيوني/ الإسرائيلي للمدينة وعمره قرن تقريبًا، هو مشروع تلة أندروميدا، حيث تفتتح أسعار الوحدات بما يربو على 300 ألف دولار. تُسَوِّق أندروميدا المنشأة على عقار فوق تلة العجمي، بمشهد تشرف على الميناء وعلى البحر أسفل التلة، تسوّق نفسها على أنها «يافا التي لا تضاهى (..) يافا الجديدة القديمة»، كما جاء في الوصف الدعائي الرئيسي بالعبرية والإنجليزية.

حيث يُفسِّر الكتيب الافتراضي لموقع أندروميدا على الشبكة العنكبوتية، أنَّ «يافا التاريخية» تقع إلى الشمال من الموقع المنشأ، بينما يقع «رصيف مرفأ الصيادين الساحر» إلى الغرب، «وحيّ العجمي المُحَدَّث، حيث يقيم الأثرياء والمشاهير» إلى الجنوب، وذلك سعيًا من الكتيب لتكييف الزبائن المحتملين مع مشهد تلة أندروميدا. بينما تُشدِّد النسخة العبرية بقدر أكبر على أسلوب بناء الموقع تماشيًا مع الأهمية المتزايدة للخطاب المعماري في الثقافة الإسرائيلية. وفوق ذلك، يروي قسم موقع الشبكة العنكبوتية والمعنوَن «يافا الأسطورية» أسطورة أندروميدا اليونانية التي تموضعت خارج ميناء يافا على صخرة عظيمة تواجه المدينة؛ كما يسرد كيف «أصبحت أندروميدا رمزًا للنهضة والتجديد، إذ ليس من قبيل المصادفة أن يدعى المشروع باسم «تلة أندروميدا»، بل هو تعبير عن بعث يافا القديمة».

كما هي ديزني لاند بالنسبة لمعظم فقراء العالم، فإنَّ «الواقع الافتراضي» الذي يسكن فضاء يافا المعاصرة لا يُشاهد من طرف معظم سكان العجمي إلا من وراء «بوابات محكمة».

ولدى السؤال عن كيفية اختيار التصميم المعماري والحملة الدعائية لتلة أندروميدا ولماذا، أجاب موظف سابق أنَّ «البلدية قررت الأسلوب –الشبابيك والأعمدة والمواد– وذلك بعد التجوال في أنحاء يافا ومشاهدة مبانيها (..) فجاء الأسلوب انتقائي–عربي يعود إلى بدايات القرن مع تأثر بالعمارة الأوروبية (الإيطالية منها على وجه الخصوص) (..) وقد كانت الأعمدة رمزًا رئيسيًا لمشروع بهذا الحجم (..) أما الحجارة فلم تستخدم [إلا نادرًا] واستعيض عنها بمواد من صنع بشري تسمى السيليكون المقوى Glass-fibre reinforced concrete (GRC) وهو عبارة عن حجارة اصطناعية زائفة. أمَّا بالنسبة للإعلانات، فعليك أن تفكر بالمشتري المحتمل (..) وقد تمحورت التوقعات حول مشترين من الخارج. لكنَّ يافا اليوم ليست بالمكان اللطيف، لذلك عليك أن تفكر بالمستقبل، وبما يمكن أن يجتذب الناس. فالناس لا تقيم هناك من أجل البحر، نظرًا لوجود البحر في كافة أنحاء إسرائيل، إنما لأجل النوستالجيا (الحنين إلى الماضي) ولأجل الأجواء».

يمثل خطاب تلة أندروميدا، مثله مثل غاديش، تراكب العمارة والتخطيط مع قوى السوق وسيطرة الحكومة التي تؤلف مجتمعة القوى المؤثرة في استمرار «الحرب الدائرة على الأرض» في العجمي. حيث تفصح معادلة كوك ليافا و«ديزني لاند» عن رأي عبَّر عنه أحد مناصري أمريكا المعولمة مؤخرًا؛ «جلّ ما يتمناه معذبو الأرض هو الذهاب إلى ديزني لاند إذا ما أتيحت لهم الفرصة للقيام بذلك». ولكن كما هي ديزني لاند بالنسبة لمعظم فقراء العالم، فإنَّ «الواقع الافتراضي» الذي يسكن فضاء يافا المعاصرة لا يُشاهد من طرف معظم سكان العجمي إلا من وراء «بوابات محكمة».

خاتمة: تحيز يافا العربية

فسَّر ثيودور هرتزل قبل أكثر من قرن من الزمان ما هو ضروري لخلق دولة يهودية في فلسطين: «إذا ما كنت أرغب باستبدال عمارة قديمة بأخرى جديدة، عليّ أن أهدم قبل أن أُعَمِّر». بعد خمسة عقود، وفي أوج حقبة التخطيط الحداثوي، استشهد لو كوربوزييه، المعماري ومخطط المدن السويسري -الذي أصبح العديد من أتباعه من مشاهير المعماريين والمخططين الصهاينة- استشهد بمثل تركي معروف يمثل أخلاقية الحداثوية: «حيثما يبني أحدهم يزرع الأشجار، ونحن نقتلعها». كما يفسر هنري لوفيفر من زاوية مشابهة ولكن تفوقها خطورة، كيف أنَّ ««الخطة» لا تبقى بريئة على الورق، إذ إن الجرافة تحيل الخطة إلى واقع على الأرض».

لقد بيَّن هذا الورق أنَّ يافا قد تُفهم كفضاء نفي وهوية تعريف لتل أبيب في آن معًا. ويمكن رؤية هذا التأرجح المتناقض نحو يافا من منطلق العلاقات المتناقضة للدولة الإسرائيلية إزاء مجتمعاتها العربية. زد على ذلك، أنَّ الفضاء الخلافي ليافا وتل أبيب يمثل الطريقة المعقدة التي حُفرت فيها الحركات المعمارية في سياسات الهوية الوطنية في إسرائيل: محو «التراث» (عبر الأسلوب والنمط العالمي) وإعادة ادعاءه أو استرداده (عبر خطابات التراث المُعزَّزة من جانب العمارة ما بعد الحداثية)، حيث يُعبَّر عن الاثنين بمصطلحات الاقتصاد والسياسة في عملية بناء الهوية السياسية للدولة القومية الإسرائيلية. وهذه هي الدينامية التي تحكم سياسات التصميم العمراني الحضري ليافا المعاصرة.

لكنَّ الارتباط ما بين استعارات ومجاز الأبنية والمنازل والمحو، مع الخطوات الواجبة لتأسيس دولة يهودية في فلسطين، كان واضحًا دائمًا في أذهان سكان البلاد الأصليين. لقد كان لتأثير الجهود المتضافرة الهادفة لمحو شخصية يافا العربية -في الواقع-، أثر بعيد على الطريقة التي يعاين بها السكان المحليون مدينتهم؛ إذ يرسم الفنانون يافا خالية ومفرغة؛ بينما تسعى القيادات إلى استعادة المدينة من خلال الإشارة إلى الشوارع بأسمائها العربية الأصلية، وذلك بخلاف الأسماء العبرية التي أطلقتها البلدية عليها بعد ضمها إلى تل أبيب في أعقاب حرب 1948.

لطالما أدرك سكان يافا العرب كيف يجري استخدام خطابات التخطيط والتطوير لأهداف قومية-سياسية. وتبعًا لهذا رفضت قياداتهم مشروع منحدر يافا لدى الإعلان عنه عام 1985، مبررين رفضهم بكون خطط بلدية تل أبيب التطويرية والوكالات الوطنية الحكومية قد لجأت عمومًا إلى استخدام آليات «قانونية» و«تخطيطية» لتدمير المنازل ومصادرة الأراضي من أصحابها العرب.

صاغ سكان يافا العرب هويتها من خلال «موضَعةٌ (تحييز) النشاط الاجتماعي» نظرًا لمنعهم من التعبير عن هوية مدينتهم عبر التصميم والتخطيط لبيئتها المعاشة، وهو الشكل المعماري الوحيد المتاح للعرب كونهم ممنوعون من تخطيط أو بناء هذه البيئة المعاشة.

وفي الواقع، وكما يشرح رئيس الرابطة السابق،قادت سياسات بلدية تل أبيب إلى توثيق عرى الارتباط بين أغلب التجمعات العربية ويافا وهويتها العربية. لذلك أطلق على المهرجان الذي أقيم عام 1997، برعاية مشتركة بين التنظيمات الشعبية اليهودية والعربية، ودعمًا لمجموعة كبيرة من العائلات المهددة بالطرد من منازلها، «مهرجان الصمود»، كون الصمود هو الشعار الفلسطيني الذي يُعبِّر عن البقاء المتجذر بالأرض ضد كافة محاولات الطرد المتعاقبة. وقد رُفع ملصقٌ يُصوِّر جرافة تعترض طريقها قبضة متجذرة في الأرض، وشعار نصه: «إننا باقون هنا (..) ولسنا وحدنا». بينما كتب فوقه بالعبرية ما يعني: «كرم الدلق موجودة على الخارطة»، رافضين إفساح المجال لمشهد جديد مبني على طردهم.

صاغ سكان يافا العرب هويتها من خلال «موضَعة (تحييز) النشاط الاجتماعي» نظرًا لمنعهم من التعبير عن هوية مدينتهم عبر التصميم والتخطيط لبيئتها المعاشة، وهو الشكل المعماري الوحيدالمتاح للعرب كونهم ممنوعون من تخطيط أو بناء هذه البيئة المعاشة. فمن خلال تشييد مشهد حضريّ بديل، أو «جغرافيا شاعرية» بديلة لتل أبيب الصهيونية/ الإسرائيلية، تكون مبنية على استدخال الأحداث الماضية في الحاضر كمصادر لتخيّل وبناء الحاضر والمستقبل. قام المجتمع العربي «بإعادة تعريف حدود يافا إدراكيًا»، والتي توسعت اليوم لتشمل أجزاء من تل أبيب، مثل نيفيه تسيديك، التي كانت تقع تاريخيًا خارج حدود يافا. ما وفّر زخمًا ودافعًا للمطالبات الحالية المتعاظمة بـ«الحكم الذاتي» أو الاستقلال البلدي عن تل أبيب.

يمكن أيضًا فهم وإدراك يافا من خلال مفهوم هنري لوفيفر حول «الفضاءات التمثيلية»، وهي الفضاءات التي ترتبط بالجانب السري المخفيّ من الحياة الاجتماعية، فضاء السكان، في مواجهة المخططين والسلطات السياسية. حيث يَسِمُ لوفيفر هذا البعد للفضاء ويصفه على أنه «تخييلي»، وهكذا يصح هنا التأمل والتفكير الأمثل في إمكانية «إعادة تخيّل» فضاءات يافا وتل أبيب. ذلك أنَّ تحليل لوفيفر يجعلنا ندرك أننا بدراسة النظام المجالي والحيزي في حي العجمي ويافا العربية، لا نُجابه «بفضاء اجتماعي واحد، بل بعدة فضاءات (..) حيث لا يمحو العالمي المحلي»، مهما كان تواقًا لذلك.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top