قاسم توفيق: أنا إنسان لا ترضيه أنصاف الحلول

قاسم توفيق: أنا إنسان لا ترضيه أنصاف الحلول

عمان – تنوير

حوار: د. محمد صابر عبيد

القاصّ والروائيّ قاسم توفيق يسرد ذاته الصغرى والكبرى في قصصه ورواياته، يسرد ذاته الصغرى على صعيد تجربته السيرذاتيّة في الحياة -شخصيّةً وحدثاً وزمناً ومكاناً وتفاصيل-، ويسرد ذاته الكبرى على صعيد المواقف والرؤيات والأفكار والقيم والخيارات، وبين الذاتين لا يتوقّف عن ضخّ سرديّاته بحرارة سرديّة مشحونة بكثير من ماء السرد ورطوبته وحيويته محروسة بِحِرفيّةٍ ووعيٍ وصنعةٍ وإتقانٍ ومهارةٍ كبيرةٍ، ورواياته الأخيرة على وجه الخصوص (صخب، حانة فوق التراب، فرودمال، نزف الطائر الصغير، ميرا) شكّلت انعطافة كبيرة في تجربته الروائية على أكثر من مستوى، ووضعته في الصفّ الأوّل من الروائيين العرب المعاصرين، وما فوزه بجائزة كتارا للرواية المطبوعة في دورتها الأخيرة 2018 سوى توكيد حيّ لهذا الرأي النقديّ العارف بتجربته على نحو شامل ودقيق.

اقترحنا هذه المواجهة مع قاسم توفيق للحوار حول التجربة الروائيّة وشجونها وشؤونها بما يضيف رؤية جديدة يمكن لقرّائه الإفادة منها وتطوير تجربتهم القرائيّة بوساطتها.

*مبارك أخي قاسم هذا الفوز الذي تستحقه فعلاً، ماذا يعني لك ذلك - في سؤال تقليديّ إجرائيّ لا بدّ منه - على صعيد الإحساس الذاتيّ المجرّد؟

مَن هم مثلي؛ الذين يمارسون الكتابة كفعل بيولوجي مثل التنفس، فرحُهم بما تناله أعمالهم من تكريم يتجاوز حالة الفرح الاعتيادي عندما يكرَّم الشخص، ليس بماهية هذا الشعور بل بمسبباته.. أن أكرّمك على فعل تعشق ممارسته هو الذي يعطي نكهة مختلفة لاحتفالك.. مسألة تعود بك لحالة من العمر توشك أن تنساها، تشبه إحساسك بالفرح وأنت طفل عندما يكافئك أهلك على تفوقك في الدراسة أو في ممارسة هواية تحبها؛ تفوقك هنا لك ولذاتك ومع هذا يأتي من يكافئك عليه.

من الطبيعي أن أكون أكثر فرحاً وراحة عندما أتعرف على مدى مصداقية هذه الجائزة. الآلية التي يتم اختيار الرواية الفائزة بها مدهشة، ومختلفة عن السائد، فهي تُبنى على المجهول إلا من النص، يتم اختيار لجان التقييم من عدد من النقاد والأكاديميين والروائيين. يرسَل لهم العمل من دون أي دلالات على اسم مؤلفه أو بلده، ترسَل الروايات المرشحة من المشرق العربي للجان في المغرب العربي، والعكس. أكتب هذه التفاصيل الصغيرة والمختصرة لأوضح سبب فرحي بفوز روايتي بجائزة كتارا للرواية العربية.

 

*أنت تكتب بروحك وتجربتك، وهو ما يظهر جليّاً في لغتك وصنعتك معاً، ما حجم المتعة أو التعب الذي تجنيه من وراء هذا النزف السرديّ الذي تمارسه في رواياتك؟

هل يمكن أن نصف الفنان بأنه إنسان «مازوخي"؛ يستلذّ بألآمه؟ لا أستبعد ذلك. المتعة التي أجنيها من الكتابة هي كمية الدموع التي ذرفتها على فراق شخوصي الذين فارقتهم عندما انتهيت من كتابة رواية «حانة فوق التراب». أو في تعذيب شخوصي لي عندما يظلون ملازمين لي في كل مكان أذهب إليه، وفي كل حالة أكون فيها. هم لا يشفقون عليّ ولا يحترمون خصوصيتي، بل يضيّقون عليّ الحصار في صحوي وفي منامي. تظل علاقتي مع النوم مقطوعة وأنا أكتب، لا أقدر أن أغفو وأنا أراهم يحضرون فوق سريري ويبدأون في محاوراتي حول شخصياتهم، وما يجري معهم من أحداث. لا أبالغ إن قلت إنّه يحدث أن أظل مستيقظا لأيام وأنا أعيش في نصّ أكتبه.

 

*ربّما لأنّني أعرفك جيداً منذ عقود، أشعر وأنا أقرأ أعمالك أنّك تتجول فيها بحريّة، بروحك وجسدك وسخريتك وملامحك وقيمك، هل شعوري هذا في محلّة أم هو مجرّد افتراض نقديّ يسعى نحو تحرّي ذلك للوصول إلى براهين نقديّة تتعلّق بمنهجي النقديّ، أو -إن شئتَ- خبثي النقديّ؟

لا أريد أن أبدو مجاملاً إن قلت إنّ ذائقتك النقدية وأنا الذي يتابع منجزك فيها منذ عقود؛ ثيمة مهمة في رؤيتك للنص وللمؤلف، أعني ما تكتبه في النقد. أنت ناقد يبدع نصاً أدبياً يكون قصيدة إن كتبت في الشعر، ورواية إن كتبت في الرواية.

سؤالك هو الوصف الدقيق لآلية تعاملي مع ما أكتب. الصحيح أني لا أتجول داخل أعمالي بل أعيشها. تصيبني شخوصي بالحب والحزن والفرح، وتنقلني الأماكن فيها إليها لأعيش فيها، ولأتنفس هواءها، ولأتذوق طعام أهلها، وتلمس جدران بيوتها وشوارعها وأدراجها. تؤرقني أحداثها وأزماتها، تفرحني أعراسها، ويبكيني عشقها.

بلا مبالغة أعترف بأنّ من أسباب أرقي اللامنقطع هو إيقاظ شخوصي لي كلما حاولتُ النوم لمحاورتي، أو لإعلان غضبهم منيّ، أو ليخبروني أنهم يحبونني.

 

*رواية «فرودمال» طائر سرديّ روائيّ يغرّد وحده في سماء السرديّة العربيّة الروائيّة الحديثة موضوعاً وتشكيلاً ورؤيةً وموقفاً، وتنطوي على عنفٍ سرديّ عالي القصديّة وكشفٍ قد يكون مفاجئاً للكثيرين لفرط حجم الفساد الموجود في البنوك الكبرى، ما سرّ هذا الاهتمام النوعي بهذا الموضوع؟

أنا إنسان لا ترضيه أنصاف الحلول، لأنّ الوسطية هي التي أودت بكلّ قضايانا إلى الهاوية. عندما شرعتُ في كتابة «فرودمال» وضعتُ نصب عيني أن أكرس هذه القناعة وأن أمضي في كتابة عمل أستجمع فيه الجرأة اللازمة لكي أسبر غور هذا الأمر المستشري في حياتنا؛ الفساد. لم أكن بحاجة لدفعة متغيرة عمّا أنا عليه في كلّ ما أكتب، بقدر ما كنت أسعى لخلق وكشف حالة جدلية ناجزة بين خصوصية فسادنا وعموميته لأمرين؛ الأول أنني من خبرتي في حياتي العملية التي تجاوزت ثلاثين سنة في العمل المصرفيّ في الأردن والدول العربية والأوروبية وأميركا عايشت وتعاملت وعرفت بعمقٍ مدى استفحال الفساد في القطاع الماليّ في عالمنا العربيّ، وفي الدول والبنوك الأوروبية التي هي المشكّل الأول للفساد على الأرض.

والسبب الثاني هو قناعتي بأنّ الفساد لم يعد يقتصر على القطاعات الماليّة وحسب، بل إنه استشرى حتى أصابت عدواه كلّ مناحي العلاقات البشرية، في التعليم، والطب، والعلاقات الأسرية وحتى في الحب.

لقد كتبت في الرواية: «عدوى الفساد أشدُّ تأثيراً في البشر من الأوبئة، من الممكن لعطسةٍ أن تنقل إنفلونزا إلى إنسانٍ سليم. والكوليرا تنتشر بين الناس من الماء الملوّث، الطاعون تسبِّبه الفئران، والإيدز يحطِّم جهاز المناعة عند الإنسان من علاقات جنسيّة شاذة ومن نقل دمٍ فاسدٍ لجسمٍ سليم. الفساد فيروس يتطاير في كلّ مكان، ويصيب كلّ شيء، وعَدْواه تنتقل بين الناس بالنَّظَر».

أجد من المهم والضروري أن أوضح -لكي لا أُتهم- أنّ عملي المصرفيّ كان في الإدارة التي مهمتها كشف الفساد؛ والتي تُعرف باسم «إدارة التدقيق والتفتيش»، بمعنى أني لم أكن طرفاً مشاركاً في الفساد، بل كنت المعني في كشفه ومحاربته، لذلك عندما اشتدّ تناقضي مع إدارة البنك الذي كنت أعمل فيه، ورفضتُ الرشاوى الكبيرة التي قُدمت ليّ حتى «أنخرس، وأسكت»، رفضتُ وانسحبت لأني أعرف أنّي أمام معركة كبيرة لا أقدر منفرداً أن أخوضها.

لم أندم على هذا القرار الذي أفقدني وأسرتي الكثير من الامتيازات وصرت متقاعداً أعيش على راتبي التقاعديّ.

قد تسأل: لماذا تأخرت بالكتابة عن هذا الموضوع الذي أقول إني عايشته منذ عقود؟ أرد عليك ببساطة؛ لأني لم أكن متفرغاً للكتابة، فقد كنت أصدر رواية كل خمس سنوات أو عشر. هذا أمر تعرفه تماماً. لم تكن ظروف عملي الصعبة تتيح لي الفرصة للتأمل والبحث والكتابة.

عندما تفرغتُ لمشروعي الروائي، لم تكن «فرودمال» أولَ أعمالي بعد ترك الوظيفة، بل إنها جاءت متأخرة كثيراً، فقد صدرت في العام 2017 بعد أن أصدرت روايات «رائحة اللوز المرّ» و«صخب» و«حانة فوق التراب».

 

*ما مدى التطابق بين شخصيّة «قاسم توفيق الحاج» وشخصيّة «إبراهيم الحاج» في رواية «فرودمال» على الأصعدة كافّة؟

أعترف بأنه يسْهُل على القارئ الذي يعرفني أن يلتقط هذا التطابق في مناحٍ عدّة وموضوعات في الرواية وخاصة في ما يتعلق بالبنوك، لا يمكن أن أنكر هذا الأمر فهو مكشوف وصريح. ما أعرفه أنه ليس من السهل لأي كاتبً أن يلغي ذاته من النص. ما يكتبه الروائيون هو خلاصة معارفهم، واتجاهاتهم، ومعايشاتهم، وتجاربهم التي ليست بالضرورة أن تكون معايشة شخصية عملية، بل من الممكن أنها تشكلت داخل الكاتب من الرؤيا أو السمع أو القراءة وهي تتحول عند تشكلها وتأثيرها في الكاتب إلى جزء من ذاته.

قد أكون استفدت من عملي المصرفي في تشكيل شخصية «إبراهيم الحاج»، لكني لم أصنع منه نسخة عنيّ. لقد كنت حاضراً ومتمثلاً في النص، لكني لم أكن «إبراهيم الحاج». لقد كنت أكثر عمقاً ووعياً وجرأة منه، ولن أكون سطحياً ولا قاتلاً عندما أنظر إلى ما يجب فعله لتغيير الفساد الذي يملأ حياتنا.

 

*وأنا أقرأ «فرودمال» تملّكني إحساسٌ عميقٌ هيمنَ على كلّ مداركي القرائيّة بأنّي أسمع قاسم توفيق الحاج (إبراهيم) يقصّ عليّ قصّته حين هجر العمل في بنك كبير متحوّلاً إلى بنك أصغر منه قبل أن يحيل نفسه على التقاعد من العمل المصرفيّ، كنتُ أنا القارئ بين يديّ حكواتي أصغي لحديثه الشفويّ باستمتاع لا أقرأ لغته السرديّة، أرجو أن تصحّح لي هذا الإحساس وتعيدني إلى موقع القارئ.

لا أعرف مدى توافق لغتي السردية مع لغتي المحكيّة، أنت صديقي الذي عشت معه، سمعته وسمعني، ولديك القدرة على التقاط الفرق بينهما، وكناقد متمرس يمكنك أيضاً أن تحدد الفواصل بينهما. أريد أن أوضح أن من الصعوبات التي واجهتُها في كتابة هذه الرواية «فرودمال"؛ هي محاولة تدجين النصوص والأفكار المصرفية البحتة وتطويعها للغة الأدب، مهمة مثل هذه ليست صعبة على الكاتب المتمرس حتى وإن لم يعايش التجربة. بالنسبة لي، كانت المسألة مكشوفة عند كتابتي للتفاصيل الصغيرة والمتخصصة التي لم أحاول تغيبها لأهميتها للفكرة، لذلك أجهدت وأنا أصنع هذا التقارب ما بين المدخلات المصرفية والماليّة والمدخلات السردية الأدبية، الأمر الذي لن أكون مضطراً لاستعماله لحظة التحدث مشافهة عنه، بعكس كتابته. عندما أتكلم أكون عارفاً لمن يسمعني، لكن عندما أكتب لا أقدر على أن أستدلّ على القارئ الذي هو متنوع ومختلف.

 

*وجدتُ أنّ السيرذاتيّ في «فرودمال» أوسع وأعمق وأكثر حضوراً من المتخيّل على الرغم من أنّ المتخيّل فيها جاء مصنوعاً بطريقة ذكيّة تقترب من الروح البوليسيّة في بعض المفاصل المهمّة، هل يمكنك وضع نسبة تقريبيّة مئويّة لكلّ منهما في الرواية؟

يمكن أن تكون السيرة أكثر حضوراً في بعض الفصول في «فرودمال»، ففي الكتابة عن الملك فيصل والخديعة التي قام بها الفرنسيون ضده في الشام بعد الحرب العالمية الأولى ودخول الوطن العربي مرحلة الاستعمار الحديث، في الفصل الذي في الرواية عن تلك الحقبة وفي ما يخص الملك فيصل، استعنت بالتاريخ وضمّنت الرواية نصوصاً قصيرة كُتبت عنها من مراجع تاريخية، لكن الفكرة الأساس كانت عندي في كشف مسألة الفساد وتاريخيتها، فكان المُتخيل أكبر وكان هو الأساس في هذا الفصل الذي ابتدأ منه أمر توارث الفساد.

ليس من الجميل أو السهل تقسيم الذاتي عن المتخيل، أو إعطاؤه نسبةً ما، لأني مثلما قلت لك، لا أرى فاصلاً عظيماً بين سيرة الكاتب ومتخيله. عندما يقرر الكاتب عمل سيرة ذاتية محض، يغيب المتخيل تماماً، ويحل مكانه النقل الحرفي من الذاكرة، وفي حال تدخل السيرة الذاتية في العمل الروائي يمتزج الذاتي والمتخيل الذي يكون هو الأكثر حضوراً؛ أقصد المُتخيل.

 

*ماذا عن القصّة القصيرة.. هذا الفتى الذهبيّ المدهش؟ هل أخذتك الرواية وأنستك أنّك قاص جميل؟ هل بوسعك أن تترجّل قليلاً من صهوة الرواية المغرية لتتجوّل قليلاً بين أشجار القصّة القصيرة وتلتقط معنا ثمارها الغضّة المراهِقة اللذيذة؟

لأصدقك القول إني أحنّ قليلاً للقصة القصيرة، وأكتبها عندما تلوح الفكرة. وللحقيقة، فإن ما يستحوذ عليّ هو الرواية لسبب «ذات موضوعي"؛ أما الذاتيّ فهو حبي للرواية الذي ابتدأ معي منذ نعومة قلمي. لقد كانت بداياتي الأولى مع الرواية، لكن بسبب ظروف الطباعة والنشر التي كانت سائدة في ذلك الوقت كان للقصة القصيرة السبق.

أما الموضوعيّ، فهذا أمر أعلنته في أكثر مرة، بأن هذا الزمن ليس زمن الرواية، بل هو زمن الغضب والصخب والفوضى، وزمن الدم العربي الذي يجرى في الشوارع، بمثل ظروف كهذه لن يُسمع صوت القصة القصيرة الهامس، بل صراخ صوت الرواية.

القصة القصيرة صارت أصغر من الصوت، وأقصر من اللسان. ماذا يمكن أن يحكي الكاتب عن القبح الذي يغطي الشوارع في قصة قصيرة، هل نريده أن يهمس؟ إن حدث وفعل سيجفّ قلمه ولسانه، لكنه عندما يكتب الرواية فإنه يفجر الصوت، يصرخ، ويعوي كالذئاب.
________
نُشِرَ في الرأي الثقافي.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top