في مواجهة الجائحة...نحن لها | د. رياض حمودة ياسين

في مواجهة الجائحة...نحن لها

د. رياض حمودة ياسين

 

سيكتب التاريخ أن “الكورونا”، أشغلت العالم كله ،فالفيروس المستجد الصغير ركب كما تركب النملة على ظهر فيل العولمة لتبدأ حكاية المواجهة الصعبة. 
يتحكم "كورونا المستجد" بالعالم في كل مناحي الحياة فيه،والكل بات يشعر انه  في خضم معركة حقيقية،معركة مختلفة عن سابقاتها، فالعدو هلامي خفي غبي اعمى لا يميز ولا يفرق بل يجتاح ويخلق جائحة في كل دولة وكل ومجتمع. نعم إنها حرب عالمية من نوع جديد تخوضها دول العالم وشعوبه، ومن تفرض عليه المعركة عليه ان يقاوم حتى إذا رحل فإنه سيرحل شريفا مقاوما كريما، ومن يستسلم وينهزم فإنه سيرحل ذليلا خانعا جبانا متجردا من كل القيم والقوى التي حظي بها.
إنها معركة مصيرتخوضها دول العالم وشعوبه، وهي معركة وجود كما قال شكسبير يوما عن الحرب أننا نعيش أو نموت (To be or not to be )، فالعالم كله يضع اليوم نصب عينه التصدي لهذه الجائحة التي تشكل أولوية  في عمل الحكومات واهتمام الشعوب في كل العالم، وللتذكير فقد كتب شكسبير أروع مقطوعاته الأدبية بعد ان فقد الكثير من أسرته في مرض الطاعون الخبيث نهاية القرن السادس عشر الميلادي، ومن هنا تتفجر قريحة الإبداع الإنساني أوقات الشدة والنكبات وتبدأ التعابير العميقة بالظهور مع سيل دافق من نهر الألم الذي يكتنز الأمل بداخله وهذه هي فلسفة المقاومة الحقيقية، فالبشر على موعد مع التحدي، فإما ان يقهروا الجائحة أو تقهرهم.
لا نريد للمستقبل ان يكون مجهولا كما هو الحال بالنسبة لهذا الفيروس المستجد اللعين، أخطر ما في هذا الفيروس أنه ركب موجة التحدي بدون قصد للتطورات العلمية والتكنولوجية البشرية خاصة في المجال الطبي ، وهذا العدو  هو بالنسبة للعالم ما زال عنصراً مجهولاً في أغلب جوانبه، والعالم يقف على رجل واحدة في محاولة لمحاصرة المجهول في التعامل مع هذا الفايروس  الجديد العنيد، ومازالت المحاولات  حتى الآن في البحث والتحليل وتفكيك شيفرة هذا الفيروس من أجل الوصول إلى علاج أو دواء أو لقاح أو ما شابه، ولن يخيب الأمل والرجاء في أن نصحو من غفلة اليأس الى بريق الأمل ونجد العلاج الناجع بين ايدينا، وليس ذلك على الله ببعيد.
 نحن أمام عدو تهديده واضح وكبير وواسع على كل فعاليات حياتنا، وحتى لا تتعطل لغة الحياة علينا ان نبقى قائمين مقاومين، ناخذ بالاسباب والاحتياطات ونتعامل بمنتهى الجدية والرقي ونؤمن تماما بالعلم والطب وما يصدر من تعليمات وارشادات وتوجيهات، ونستفيد من تجارب غيرنا، فالسعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتعظ بنفسه. وهنا يجدر أن يتحمل كل منا مسؤوليته الأخلاقية والإجتماعية، وتتحمل الدول مسؤوليتها التاريخية أمام شعوبها، ويتحمل النظام العالمي برمته ومنظماته كافة المسؤولية في إدامة البحث والتقصي والاستقصاء بحثا عن العلاج وسعيا وراء انقاذ المجتمعات بكل الطرق والوسائل المتاحة.
كورونا المستجد ليس الأخطر كونه وباء معدي يؤدي الى الموت، بل تهديده الأكبر في تعطيل دورة الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في كل العالم، والكل يعلم بأن حياة البشرية في ظل هذه الظروف المعقدة تحتاج فعلا الى نهضة حقيقية ونفض غبار اليأس والإحباط التي تسلل لدى نفوس لبعض، وكما هو الحال بعد الخروج من أي حرب عالمية تعطى الأولوية لاعادة الإعمار وهذه المرة سيكون الإعمار مهما للنفوس التي تدمرت بفعل الخوف والرعب  والانكفاء واليأس، وهنا يأتي دور المثقفين والمبدعين لبث رسائل الطمأنينة وتعزيز الثقة بأن الأمل بحياة الغد التي يسودها الوئام والتصالح مع الذات والطبيعة ستكون عناوين مهمة للعبور الى شاطئ الامان من هذه الكارثة العالمية.
 
د.رياض ياسين – أكاديمي، خبير في الشؤون الدولية/ من الأردن


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top